استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات فلا يستحق غيرهُ أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير الله هو العلة للإعْراض عن آيات الكتاب الحكيم ، فهم لما أثبتوا الإلهية لما لا يخلق شيئاً كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها . ولذا فإن موقع هذه الآيات موقع دليل الدليل ، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال بالتدقيق ، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله ، فالخطاب في قوله { ترونها } و { بكم } للمشركين ، وقد تقدم في سورة الرعد ( 2 ) قوله : { الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها } وتقدم في أول سورة النحل ( 15 ) قوله { وألقى في الأرض رواسيَ أن تَميدَ بكم } والمعنى خوفَ أن تميد بكم أو لئلا تُميدكم كما بين هنالك . وتقدم في سورة البقرة ( 164 ) قوله : { وبثّ فيها من كل دابّة وتصريف الرياح } وقوله { أنزلنا من السماء ماء } وهو نظير قوله في سورة البقرة ( 164 ) { وما أنزل الله من السماء من ماء } وقوله في سورة الرعد ( 17 ) { أنزل من السماء ماء فسالتْ أوْديَةٌ } والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله وأنزلنا } للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دوراناً عند الناس . وضمير { فيها } عائد إلى الأرض .
والزوج : الصنف ، وتقدم في قوله تعالى { فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى } في طه ( 53 ) وقوله { وأنبتت من كل زوج بَهيج } في سورة الحج ( 5 ) .
والكريم : النفيس في نوعه ، وتقدم عند قوله تعالى { إنِّي ألقِيَ إليَّ كتابٌ كريم } في سورة النمل ( 29 ) .
وقد أدمج في أثناء دلائل صفة الحكمة الامتنان بما في ذلك من منافع للخلق بقوله { أن تميد بكم وبَث فيها من كل دابة } فإن من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوانسها ووحوشها والانتفاع بألبانها وأصوافها وجلودها وقرونها وأسنانها والحمل عليها والتجمل بها في مرابطها وغدوّها ورواحها ، ثم من نعمة منافع النبات من الحب والثمَر والكلأ والكمأة . وإذ كانت البحار من جملة الأرض فقد شملَ الانتفاع بدواب البحر فالله كما أبدع الصنع أسبغ النعمة فأرانا آثار الحكمة والرحمة .
قوله تعالى : " خلق السماوات بغير عمد ترونها " تكون " ترونها " في موضع خفض على النعت ل " عمد " فيمكن أن يكون ثم عمد ولكن لا ترى . ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من " السماوات " ولا عمد ثم البتة . النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : الأولى أن يكون مستأنفا ، ولا عمد ثم . قاله مكي . ويكون " بغير عمد " التمام . وقد مضى في " الرعد " {[12570]} الكلام في هذه الآية . " وألقى في الأرض رواسي " أي جبالا ثوابت . " أن تميد بكم " في موضع نصب ، أي كراهية أن تميد . والكوفيون يقدرونه بمعنى لئلا تميد . " وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم " عن ابن عباس : من كل لون حسن . وتأوله الشعبي على الناس ؛ لأنهم مخلوقون من الأرض . قال : من كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم ، ومن كان منهم يصير إلى النار فهو اللئيم . وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب ، وظاهر القرآن يدل على ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.