التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّـٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (19)

و{ المأوى } : المكان الذي يُؤْوَى إليه ، أي يُرجع إليه .

والتعريف باللام فيه للعهد ، أي مأوى المؤمنين ، قال تعالى : { عندها جنة المأوى } [ النجم : 15 ] . ولك أن تجعل اللام عوضاً عن المضاف إليه ، أي مأواهم بقرينة قوله في مقابلح { فمأواهم النار } . وإضافة { جنات } إلى { المأوى } من إضافة الموصوف إلى الصفة لقصد التخفيف وهي واقعة في الكلام وإن اختلف البصريون والكوفيون في تأويلها خلافاً لا طائل تحته ، وذلك مثل قولهم : مسجد الجامع ، وقوله تعالى : { وما كنت بجانب الغربي } [ القصص : 44 ] ، وقولهم : عِشاء الآخرةِ . والمعنى : فلهم الجنات المأوى لهم ، أي الموعودون بها .

وانتصب { نزلاً } على الحال من { جنات المأوى } . والنُزُل بضمتين مشتق من النزول فيطلق على ما يُعد للنزيل من العطاء والقِرى قال في « الكشاف » : النزل : عطاء النازل ، ثم صار عاماً ، أي : يطلق على العطاء ولو بدون ضيافة مجازاً مرسلاً . قلت : ويطلق على محل نزول الضيف ولأجل هذه الإطلاقات يختلف المفسرون في المراد منه في بعض الآيات رعياً لما يناسب سياق الكلام . وفسره الزجاج في هذه الآية ونحوها بالمنزل ، وفسره في قوله تعالى : { أذلك خيرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم } [ الصافات : 62 ] فقال : « يقول أذلك خير في باب الأنزال التي تمكن معها الإقامة أم نُزل أهل النار » وقد تقدم في آخر سورة آل عمران ( 163 ) ، والباء في { بما كانوا يعملون للسببية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّـٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (19)

قوله تعالى : " أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى " أخبر عن مقر الفريقين غدا ، فللمؤمنين جنات المأوى ، أي يأوون إلى الجنات ؛ فأضاف الجنات إلى المأوى لأن ذلك الموضع يتضمن جنات . " نزلا " أي ضيافة . والنزل : ما يهيأ للنازل والضيف . وقد مضى في آخر " آل عمران " {[12679]} وهو نصب على الحال من الجنات ؛ أي لهم الجنات معدة ، ويجوز أن يكون مفعولا له .


[12679]:راجع ج 4 ص 321.