التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (14)

هذا جواب عن قولهم { ربنا أبصرْنَا وسمِعنا } [ السجدة : 12 ] الذي هو إقرار بصدق ما كانوا يكذّبون به ، المؤذِن به قولهم { ربّنا أبصَرْنا وسمعنا . } فالفاء لتفريع جواب عن إقرارهم إلزاماً لهم بموجب إقرارهم ، أي فيتفرع على اعترافكم بحقية ما كان الرسول يدعوكم إليه أن يلحقكم عذاب النار .

ومجيء التفريع من المتكلم على ما هو من كلام المخاطب فيه إلزام بالحجة كالفاءات في قوله تعالى : { قال فاخرج منها فإنك رجيم } [ الحجر : 34 ] وقوله { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغْوِينَّهم أجمعين } [ ص : 79 82 ] ، وقوله : { فالحقَّ والحقَّ أقول لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ ص : 84 85 ] ؛ فهذه خمس فاءات كل فاء منها هي تفريع من المتكلم بها على كلام غيره . وقد تقدم ذلك في العطف بالواو عند قوله تعالى : { قال ومن ذريتي } في سورة ( البقرة 124 ) واستعمال الذوق بمعنى مطلق الإحساس مجاز مرسل تقدم عند قوله تعالى : { ليَذوق وبالَ أمرِه } في سورة العقود ( 95 ) . ومفعول ( ذوقوا ) } محذوف دل عليه السياق ، أي فذوقوا ما أنتم فيه مما دعاكم إلى أن تسألوا الرجوع إلى الدنيا .

والنسيان الأول : الإهمال والإضاعة ، وتقدم في قوله تعالى { فنسي } في سورة طه ( 88 ) .

والباء للسببية ، أي : بسبب إهمالكم الاستعداد لهذا اليوم . والنسيان في قوله { نسِيناكم } مستعمل في الحرمان من الكرامة مع المشاكلة .

واللقاء : حقيقته العثور على ذات ، فمنه لقاء الرجل غيره وتجيء منه الملاقاة ، ومنه : لقاء المرء ضالة أو نحوها . وقد جاء منه : شيء لَقىً ، أي مطروح . ولقاء اليوم في هذه الآية مجاز في حلول اليوم ووجوده على غير ترقب كأنه عُثِر عليه .

وإضافة ( يوم ) إلى ضمير المخاطبين تهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه فلما تحققوه جُعل كأنه أشد اختصاصاً بهم على طريقة الاستعارة التهكمية لأن اليوم إذا أضيف إلى القوم أو الجماعة إذا كان يوم انتصار لهم على عدوهم قال السموأل :

وأيامنا مشهورة في عدوِّنا *** لها غررٌ معلومة وحجول

ويقولون : أيامُ بني فلان على بني فلان ، أي أيام انتصارهم . وسبب ذلك أن تقدير الإضافة على معنى اللام وهي تفيد الاختصاص المنتزع من المِلك ، قال عمرو بن كلثوم :

وأيَّام لنا غُرَ طوالٍ

وقال تعالى : { ذلك اليوم الحق } [ النبأ : 39 ] ، أي : يوم نصر المؤمنين على المشركين في الآخرة نصراً مؤبَّداً ، أي ليس كأيامكم في الدنيا التي هي أيام نصر زائل .

والإشارة ب { هذا } إلى اليوم تهويلاً له .

وجملة { إنَّا نسِيناكم } مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن المجرمين إذا سمعوا ما علموا منه أنهم ملاقو العذاب من قوله { فذوقوا بما نسِيتم لقاء يومكم هذا } تطلعوا إلى معرفة مدى هذا العذاب المَذوق وهل لهم منه مخلص وهل يُجابون إلى ما سألوا من الرجعة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من التصديق ، فأعلموا بأن الله مُهمل شأنهم ، أي لا يستجيب لهم وهو كناية عن تركهم فيما أُذيقوه .

وقد تقدم في سورة طه ( 126 ) قوله : { قال كذلك أتتك آياتنا فَنسِيتَها وكذلك اليوم تُنْسَى } فشبه بالنسيان إظهاراً للعدل في الجزاء وأنه من جنس العمل المُجازَى عنه . وقد حُقّق هذا الخبر بمؤكدات وهي حرف التوكيد . وإخراج الكلام في صيغة الماضي على خلاف مقتضى الظاهر من زمن الحال لإفادة تحقق الفعل حتى كأنه مضى ووقع .

وقوله { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } عطف على { فذوقوا بما نَسِيتُم } ، وهو وإن أفاد تأكيد تسليط العذاب عليهم فإن عطفه مراعى فيه ما بين الجملتين من المغايرة بالمتعلِّقات والقيود مغايرة اقتضت أن تعتبر الجملة الثانية مفيدة فائدة أخرى ؛ فالجملة الأولى تضمنت أن من سبب استحقاقهم تلك الإذاقة إهمالَهم التدبر في حلول هذا اليوم ، والجملة الثانية تضمنت أن ذلك العذاب مستمر وأن سبب استمرار العذاب وعدم تخفيفه أعمالهم الخاطئة وهي أعم من نسيانهم لقاء يومهم ذلك .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (14)

قوله تعالى : " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا " فيه قولان : أحدهما : أنه من النسيان الذي لا ذكر معه ، أي لم يعملوا لهذا اليوم فكانوا بمنزلة الناسين . والآخر : أن " نسيتم " بما تركتم ، وكذا " إنا نسيناكم " . واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " {[12668]} [ طه :115 ] قال : والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر عن إبليس أنه قال : " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " {[12669]} [ الأعراف : 20 ] فلو كان آدم ناسيا لكان قد ذكره . وأنشد :

كأنه خارجا من جَنْبِ صفحَتِهِ *** سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عند مُفْتَأَدِ{[12670]}

أي تركوه . ولو كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة . قال الضحاك : " نسيتم " أي تركتم أمري . يحيى بن سلام : أي تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم . " نسيناكم " تركناكم من الخير . قاله السدي . مجاهد : تركناكم في العذاب . وفي استئناف قوله : " إنا نسيناكم " وبناء الفعل على " إن " واسمها تشديد في الانتقام منهم . والمعنى : فذوقوا هذا ، أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم بسبب نسيان الله . أو ذوقوا العذاب المخلد ، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم . " بما كنتم تعملون " يعني في الدنيا من المعاصي . وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما ، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم . قال عمر بن أبي ربيعة :

فذُقْ هجرها إن كنت تزعم أنها *** فسادٌ ألا يا رُبَّما كذب الزعم

الجوهري : وذقت ما عند فلان ، أي خبرته . وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها . وأذاقه الله وبال أمره . قال طفيل :

فذوقوا كما ذقنا غداةَ مُحَجَّرٍ *** من الغيظ في أكبادنا والتَّحَوُّبُ

وتذوقته أي ذقته شيئا بعد شيء . وأمر مستذاق أي مجرب معلوم . قال الشاعر :

وعهد الغانيات كعهد قَيْنٍ *** وَنَتْ عنه الجعائل مُسْتَذَاقِ

والذوّاق : الملول .


[12668]:راجع ج 11 ص 251.
[12669]:راجع ج 7 ص 177 فما بعد.
[12670]:السفود: حديدة يشوى عليها اللحم. الشرب (بالفتح): جماعة القوم يشربون. والمفتأد. موضع النار الذي يشوى فيه. والبيت من معلقة النابغة الذبياني.