التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ} (17)

استئناف بياني ناشىء عن قوله : { فأرسلنا عليهم سيل العرم } [ سبأ : 16 ] فهو من تمام الاعتراض .

واسم الإِشارة يجوز أن يكون في محل نصب نائباً عن المفعول المطلق المبيِّن لنوع الجزاء ، وهو من البيان بطريق الإِشارة ، أي جزيناهم الجزاء المشار إليه وهو ما تقدم من التبديل بجَنَّتَيْهم جنتين أخريين . وتقديمه على عامله للاهتمام بشدة ذلك الجزاء . واستحضاره باسم الإِشارة لما فيها من عظمة هوله .

ويجوز أن يكون اسم الإِشارة في محل رفع بالابتداء وتكون الإِشارة إلى ما تقدم من قوله : { فأرسلنا عليهم سيل العرم } إلى قوله : { من سدر قليل } [ سبأ : 16 ] ويكون جملة { جزيناهم } خبرَ المبتدأ والرابط ضمير محذوف تقديره : جزيناهموه .

والباء في { بما كفروا } للسبيبة و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب كفرهم .

والكفر هو الكفر بالله ، أي إنكار إلهيته لأنهم عبَدةُ الشمس .

والاستفهام في { وهل يجازى } إنكاري في معنى النفي كما دل عليه الاستثناء .

و { الكفور } : الشديد الكفر لأنهم كانوا لا يعرفون الله ويعبدون الشمس فهم أسوأ حالاً من أهل الشرك .

والمعنى : ما يُجَازَى ذلك الجزاء إلا الكفور لأن ذلك الجزاء عظيم في نوعه ، أي نوع العقوبات فإن العقوبة من جنس الجزاء . والمثوبة من جنس الجزاء فلما قيل { ذلك جزيناهم بما كفروا } تعين أن المراد : وهل يجازى مثل جزائهم إلا الكفور ، فلا يتوهم أن هذا يقتضي أن غير الكفور لا يجازى على فعله ، ولا أن الثواب لا يسمى جزاء ولا أن العاصي المؤمن لا يجازَى على معصيته ، لأن تلك التوهمات كلها مندفعة بما في اسم الإِشارة من بيان نوع الجزاء ، فإن الاستئصال ونحوه لا يجري على المؤمنين .

وقرأ الجمهور { يجازى } بياء الغائب والبناء للمجهول ورفع { الكفورُ } . وقرأ حمزة والكسائي بنون العظمة والبناء للفاعل ونصب { الكفور } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ} (17)

قوله تعالى : " ذلك جزيناهم بما كفروا " أي هذا التبديل جزاء كفرهم . وموضع " ذلك " نصب ، أي جزيناهم ذلك بكفرهم . " وهل يجازى إلا الكفور " قراءة العامة " يجازى بياء مضمومة وزاي مفتوحة ، " الكفور " رفعا على ما لم يسم فاعله . وقرأ يعقوب وحفص وحمزة والكسائي : " نجازي " بالنون وكسر الزاي ، " الكفور " بالنصب ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، قالا : لأن قبله " جزيناهم " ولم يقل جوزوا . النحاس : والأمر في هذا واسع ، والمعنى فيه بين ، ولو قال قائل : خلق الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم من طين ، وقال آخر : خلق آدم من طين ، لكان المعنى واحدا .

مسألة : في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه ، وهو أن يقال : لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي ؟ فتكلم العلماء في هذا ، فقال قوم : ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الإصطلام{[13024]} والإهلاك إلا من كفر . وقال مجاهد : يجازى بمعنى يعاقب ؛ وذلك أن المؤمن يكفر الله تعالى عنه سيئاته ، والكافر يجازى بكل سوء عمله ، فالمؤمن يجزى ولا يجازى لأنه يثاب{[13025]} . وقال طاوس : هو المناقشة في الحساب ، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب . وقال قطرب خلاف هذا ، فجهلها في أهل المعاصي غير الكفار ، وقال : المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر . النحاس : وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيها : أن الحسن قال مثلا بمثل . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حوسب هلك ) فقلت : يا نبي الله ، فأين قوله جل وعز : " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " {[13026]} [ الإنشقاق : 8 ] ؟ قال :( إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك ) . وهذا إسناد صحيح ، وشرحه : أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير ، ويبين هذا قوله تعالى في الأول : " ذلك جزيناهم بما كفروا " وفي الثاني : وهل يجازى إلا الكفور " ومعنى " يجازى " : يكافأ بكل عمل عمله ، ومعنى " جزيناهم " . وفيناهم ، فهذا حقيقة اللغة ، وإن كان " جازى " يقع بمعنى " جزى " . مجازا .


[13024]:الاصطلام: الاستئصال.
[13025]:في نسخ الأصل: " لا يثاب".
[13026]:راجع ج 19 ص 270.