وجاء نظم قوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } نظماً بديعاً من وفرة المعنى ، فإن النفع يجيء بمعنى حصول المقصود من العمل ونجاحه كقول النابغة :
ومنه قوله تعالى : { لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل } [ الأنعام : 158 ] ، ويجيء بمعنى المساعد الملائم وهو ضد الضار وهو أكثر إطلاقه . ومنه : دواء نافع ، ونفعني فلان . فالنفع بالمعنى الأول في الآية يفيد القبول من الشافع لشفاعته ، وبالمعنى الثاني يفيد انتفاع المشفوع له بالشفاعة ، أي حصول النفع له بانقشاع ضر المؤاخذة بذنب كقوله تعالى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [ المدثر : 48 ] . فلما عبر في هذه الآية بلفظ الشفاعة الصالح لأن يعتبر مضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول احتمل النفع أن يكون نفع الفاعل ، أي قبول شفاعته ، ونفعَ المفعول ، أي قبول شفاعة من شفع فيه .
وتعدية فعل الشفاعة باللام دون ( في ) ودون تعديته بنفسه زاد صلوحيته للمعنيين لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً فيه فكان بذلك أوفرَ معنىً .
فالاستثناء في قوله : { إلا لمن أذن له } استثناء من جنس الشفاعة المنفي بقرينة وجود اللام وليس استثناء من متعلَّق { تنفع } لأن الفعل لا يعدّى إلى مفعوله باللام إلا إذا تأخر الفعل عنه فضعف عن العمل بسبب التأخير فلذلك احتملت اللام أن تكون داخلة على الشافع ، وأن ( مَن ) المجرورة باللام صادقة على الشافع ، أي لا تقبل شفاعةٌ إلا شفاعة كائنة لمن أذن الله له ، أي أذن له بأن يشفع فاللام للملك كقولك : الكرم لزيد ، أي هو كريم فيكون في معنى قوله : { ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع } [ السجدة : 4 ] . وأن تكون اللام داخلة على المشفوع فيه ، و ( مَن ) صادقة على مشفوع فيه ، أي إلا شفاعةً لمشفوع أذن الله الشافعين أن يشفعوا له أي لأجله فاللام للعلة كقولك : قمت لزيد ، فهو كقوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] .
وإنما جيء بنظم هذه الآية على غير ما نُظمت عليه غيرها لأن المقصود هنا إبطال رجائهم أن تشفع لهم آلهتهم عند الله فينتفعوا بشفاعتها ، لأن أول الآية توبيخ وتعجيز لهم في دعوتهم الآلهة المزعومة فاقتضت إبطال الدعوة والمدعُوّ .
وقد جمعت الآية نفي جميع أصناف التصرف عن آلهة المشركين كما جمعت نفي أصناف الآلهة المعبودة عند العرب ، لأن من العرب صابئة يعبدون الكواكب وهي في زعمهم مستقرة في السماوات تدبر أمور أهل الأرض فأبطل هذا الزعمَ قولُه : { لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض } ؛ فأما في السماوات فباعترافهم أن الكواكب لا تتصرف في السماوات وإنما تصرفها في الأرض ، وأما في الأرض فبقوله : { ولا في الأرض } . ومن العرب عبدة أصنام يزعمون أن الأصنام شركاء لله في الإِلهية فنفي ذلك بقوله : { وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } ، ومنهم من يزعمون أن الأصنام جعلها الله شفعاء لأهل الأرض فنفي ذلك بقوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده } الآية .
وقرأ الجمهور { أذن } بفتح الهمزة وفيه ضمير يعود إلى اسم الجلالة مثل ضمائر الغيبة التي قبله . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بضم الهمزة على البناء للنائب . والمجرور من قوله : { له } في موضع نائب الفاعل .
وقوله : { حتى إذا فزع عن قلوبهم } { حتى } ابتدائية وهي تفيد ارتباط ما بعدها بما قبلها لا محالة فالضمائر التي في الجملة الواقعة بعد { حتى } عائدة على ما يصلح لها في الجُمل التي قبلها . وقد أفادت { حتى } الغاية بأصل وضعها وهي هنا غاية لما أفهمه قوله : { إلا لمن أذن له } من أن هنالك إذناً يصدر من جانب القدس يأذن الله به ناساً من الأخيار بأن يشفعوا كما جاء تفصيل بعض هذه الشفاعة في الأحاديث الصحيحة وأن الذين يرجون أن يشفع فيهم ينتظرون ممن هو أهل لأن يشفع وهم في فزع من الإِشفاق أن لا يؤذن بالشفاعة فيهم ، فإذا أذن الله لمن شاء أن يشفع زال الفزع عن قلوبهم واستبشروا إذ أنه فزع عن قلوب الذين قبلت الشفاعة فيهم ، أي وأيس المحرومون من قبول الشفاعة فيهم . وهذا من الحذف المسمى بالاكتفاء اكتفاء بذكر الشيء عن ذكر نظيره أو ضده ، وحسنه هنا أنه اقتصار على ما يسرّ المؤمنين الذين لم يتخذوا من دون الله أولياء .
وقد طويت جمل مِن وراء { حتى } ، والتقدير : إلا لمن أذن له ويومئذٍ يبقى الناس مرتقبين الإِذن لمن يشفع ، فَزعين من أن لا يؤذن لأحد زمناً ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حينَ يؤذن للشافعين بأن يشفعوا ، وهو إيجاز حذف .
و { إذا } ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة { فزع عن قلوبهم } ومتعلق ب { قالوا } .
و { فزع } قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة ، وهو مضاعف فزع . والتضعيف فيه للإِزالة مثل : قشّر العود ، ومَرَّض المريض إذا باشر علاجَه ، وبُني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم ، ففيه جانب الآذن فيه ، وجانب المبلغ له وهو الملك .
والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن الله أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم : { ماذا قال ربكم } ليعلموا من أُذِن له ممن لم يؤذن له ، وهذا كما يكَرِّر النظَرَ ويُعَاوِد المطالعَةَ مَن ينتظر القبول ، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخَشية فإنهم إذا فُزِّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق .
فضمير { قالوا ماذا قال ربكم } عائد على بعض مدلول قوله : { لمن أذن له } . وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين ، وضمير { قالوا الحق } عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة .
ويظهر أن كلمة { الحق } وقعت حكاية لمقول الله بوصف يجمع متنوع أقوال الله تعالى حينئذٍ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال : ماذا قال القاضي للخصم ؟ فيقال : قال الفصلَ . فهذا حكاية لمقول الله بالمعنى .
وانتصاب { الحق } على أنه مفعول { قالوا } يتضمن معنى الكلام ، أي قال الكلام الحق ، كقوله :
وقصيدةٍ تأتي الملوك غريبة *** قد قلتُها ليقال من ذا قالها
هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها . وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قدداً ، وتفرقوا بَدَداً بَدَداً .
و ( ذا ) من قوله : { ماذا } إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل : { ماذا قال } : ما هذا الذي قال ، فلما كثر استعمالها بدون ذِكر اسم الموصول قِيل إن ( ذا ) بعد الاستفهام تصير اسم موصول ، وقد يذكر الموصول بعدها كقوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده } [ البقرة : 255 ] .
وقرأ ابن عامر ويعقوب { فزع } بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء للفاعل ، أي فَزّع الله عن قلوبهم .
وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن الله يقول لآدم : « أخرج بعث النار من ذريتك » ، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المحشر كلهم " ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار " . وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له : « سل تُعْطَ واشفع تُشَفّع » ، وفي حديث أبي سعيد « أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه » .
وجملة { وهو العلي الكبير } تتمة جواب المجيبين ، عطفوا تعظيم الله بذكر صفتين من صفات جلاله ، وهما صفة { العلي } وصفة { الكبير } .
والعلو : علوّ الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم .
والكبر : العظمة المعنوية ، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة ، وتخصيص هاتين الصفتين لمناسبة مقام الجواب ، أي قد قضى بالحق لكل أحد بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ولا يجوز دونه حائل . وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله : { وأن الله هو العلي الكبير } في سورة الحج ( 62 ) .
واعلم أنه قد ورد في صفة تلقّي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري } وغيره : أن نبيء الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال الحقّ وهو العلي الكبير " اهـ . فمعنى قوله في الحديث : قضَى صدَر منه أمر التكوين الذي تتولى الملائكة تنفيذه ، وقوله في الحديث : " في السماء " يتعلق ب « قضى » بمعنى أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقرّ الملائكة ، وقوله : « خُضْعَاناً لقوله » أي خوفاً وخشية ، وقوله : { فزع عن قلوبهم } أي أزيل الخوف عن نفوسهم .
وفي حديث ابن عباس عند الترمذي " إذا قضى ربنا أمراً سبح له حملة العرش ، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " قال : " ثم أهل كل سماء " الحديث . وذلك لا يقتضي أنه المراد في آية سورة سبأ وإنما هذه صفة تلقي الملائكة أمر الله في الدنيا والآخرة فكانت أقوالهم على سنة واحدة .
وليس تخريج البخاري والترمذي هذا الحديث في الكلام على تفسير سورة سبأ مراداً به أنه وارد في ذلك ، وإنما يريد أن من صور معناه ما ذكر في سورة سبأ . وهذا يغنيك عن الالتجاء إلى تكلفات تعسّفوها في تفسير هذه الآية وتعَلّقها بما قبلها .
قوله تعالى : " ولا تنفع الشفاعة " أي شفاعة الملائكة وغيرهم . " عنده " أي عند الله . " إلا لمن أذن له " قراءة العامة " أذن " بفتح الهمزة ؛ لذكر الله تعالى أولا . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " أذن " بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله . والآذن هو الله تعالى . و " من يجوز أن ترجع إلى الشافعين ، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم . " حتى إذا فزع عن قلوبهم " قال ابن عباس : خلي عن قلوبهم الفزع . قطرب : أخرج ما فيها من الخوف . مجاهد : كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة ، أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام ، إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله ، كما قال : " وهم من خشيته مشفقون " {[13041]} [ الأنبياء : 28 ] والمعنى : أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا ؛ لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير ، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن : ماذا قال ربكم " أي ماذا أمر الله به ، فيقولون لهم : " قالوا الحق " وهو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين . " وهو العلي الكبير " فله أن يحكم في عباده بما يريد . ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام ، ويجوز أن يكون في الآخرة . وفي الكلام إضمار ، أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ففزع لما ورد عليه من الإذن تهيبا لكلام الله تعالى ، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجاب بالانقياد . وقيل : هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى ، أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم اليوم فزعون ، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين . وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان{[13042]} فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير - قال - والشياطين بعضهم فوق بعض ) قال : حديث حسن صحيح . وقال النواس بن سمعان قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى ، فإذا سمع أهل السموات ذلك صعقوا وخروا لله تعالى سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ، ويقول له من وحيه ما أراد ، ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال الحق وهو العلى الكبير - قال فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله تعالى ) . وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى : " حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم " قال : كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي ، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان ، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ، ثم يقول : يكون العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنة الناس يقولون يكون العام كذا وكذا فيجدونه كذلك ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم دحروا بالشهب ، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك : هلك من في السماء ، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا ، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة ، وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة ، حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب : أيها الناس ! أمسكوا على أموالكم ، فإنه لم يمت من حيث السماء ، وإن هذا ليس بانتثار ، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل والنهار ! قال فقال إبليس : لقد حدث في الأرض اليوم حدث ، فأتوني من تربة كل أرض فأتوه بها ، فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال : من ها هنا جاء الحدث ، فنصتوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث . وقد مضى هذا المعنى مرفوعا مختصرا في سورة " الحجر " {[13043]} ، ومعنى القول أيضا في رميهم بالشهب وإحراقهم بها ، ويأتي في سورة " الجن " {[13044]} بيان ذلك إن شاء الله تعالى . وقيل : إنما يفزعون من قيام الساعة . وقال الكلبي وكعب : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام فترة خمسمائة وخمسون سنة لا يجيء فيها الرسل ، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة ، فلما سمعت الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت ، فصعقوا مما سمعوا ، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم ؟ فلم يدروا ما قال ولكنهم قالوا : قال الحق وهو العلي الكبير ، وذلك أن محمدا عليه السلام عند أهل السموات من أشراط الساعة . وقال الضحاك : إن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم ، يرسلهم الرب تبارك وتعالى ، فإذا انحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة ، فيخرون سجدا ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة . وهذا تنبيه من الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا لأحد حتى يؤذن لهم ، فإذا أذن لهم وسمعوا صعقوا ، وكان هذه حالهم ، فكيف تشفع الأصنام أو كيف تؤملون أنتم الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة . وقال الحسن وابن زيد ومجاهد : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين . قال الحسن ومجاهد وابن زيد : في الآخرة عند نزول الموت ، إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم : ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق وهو العلي الكبير ، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار ، أي قالوا قال الحق .
وقراءة العامة " فزع عن قلوبهم " . وقرأ ابن عباس " فزع عن قلوبهم " مسمى الفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى اسم الله تعالى . ومن بناه للمفعول فالجار والمجرور في موضع رفع ، والفعل في المعنى لله تبارك وتعالى ، والمعنى في القراءتين : أزيل الفزع عن قلوبهم ، حسبما تقدم بيانه . ومثله : أشكاه ، إذا أزال عنه ما يشكوه . وقرأ الحسن : " فزع " مثل قراءة العامة ، إلا أنه خفف الزاي ، والجار والمجرور في موضع رفع أيضا ، وهو كقولك : انصرف عن كذا إلى كذا . وكذا معنى " فزع " بالراء والغين المعجمة والتخفيف ، غير مسمى الفاعل ، رويت عن الحسن أيضا وقتادة . وعنهما أيضا " فرغ " بالراء والغين المعجمة مسمى الفاعل ، والمعنى : فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف عنها ، أي فرغها من الفزع والخوف ، وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول ، على هذه القراءة وعن الحسن أيضا " فرغ " بالتشديد .