التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ} (15)

جرَّ خبرُ سليمان عليه السلام إلى ذكر سبأ لما بين مُلك سليمان وبين مملكة سبأ من الاتصال بسبب قصة « بلقيس » ، ولأن في حال أهل سبأ مضادة لأحوال داود وسليمان ، إذ كان هذان مثلاً في إسباغ النعمة على الشاكرين ، وكان أولئك مثلاً لسلب النعمة عن الكافرين ، وفيهم موعظة للمشركين إذ كانوا في بحبوحة من النعمة فلما جاءهم رسول من المُنعِم عليهم يذكرهم بربهم ويوقظهم بأنهم خاطئون إذ عبدوا غيره ، كذّبوه وأعرضوا عن النظر في دلالة تلك النعمة على المنعِم المتفرد بالإلهية .

وقال ابن عطية عند الكلام على قوله تعالى : { ولقد آتينا داود منا فضلاً } [ سبأ : 10 ] « لمّا فرغ التمثيل لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم ( أي للمشركين أي لحالهم ) بسبإ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتوّ » اهـ . فهذه القصة تمثيل أمة بأمة ، وبلاد بأخرى ، وذلك من قياس وعبرِه . وهي فائدة تدوين التاريخ وتقلبات الأمم كما قال تعالى : { ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللَّه فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون } [ النحل : 112 ، 113 ] فسوَق هذه القصة تعريض بأشباه سبأ . والمعنى : لقد كان لسبأ في حال مساكنهم ونظام بلادهم آية . والآية هنا : الأمارة والدلالة بتبدل الأحوال وتقلب الأزمان ، فهي آية على تصرف الله ونعمته عليهم فلم يهتدوا بتلك الآية فأشركوا به ، وقد كان في إنعامه عليهم ما هو دليل على وجوده ثم على وحدانيته .

والتأكيد بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين بالتعريض بهذه القصة منزلةَ من يتردد في ذلك لعدم اتعاظهم بحال قوم من أهل بلادهم ، وتجريد { كان } من تأنيث الفعل لأن اسمها غير حقيقي للتأنيث ولوقوع الفصل بالمجرور .

واللام في { لسبأ } متعلق ب { آية } . والمساكن : البلاد التي يسكنونها بقرينة قوله : { جنتان عن يمين وشمال } والمساكن : ديار السكنى . وتقدم الكلام على سبأ عند قوله : { وجئتك من سبأ } في سورة النمل ( 22 ) .

واسم سبأ يطلق على الأمة كما هنا وعلى بلادهم كما في آية النمل وتقدم تفصيله .

وقرأ الجمهور { في مساكنهم } بصيغة جمع مسكن . وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف بلفظ المفرد { في مسكنهم } إلا أن حمزة وحفصاً فتَحَا الكاف ، والكسائي وخلف كسرا الكاف وهو خارج عن القياس لأنه مضارع غير مكسور العين فحق اسم المكان منه فتح العين . وشذ نحو قولهم : مسجد لبيت الصلاة .

و { جنتان } بدل من { آية } باعتبار تكملته بما اتصل به من المتعلق والقول المقدر .

و { جنتان } تشبيه بليغ ، أي في مساكنهم شبيه جنتين في أنه مغترس أشجاراً ذاتتِ ثمر متصل بعضها ببعض مثل ما يعرف من حال الجنات ، وتثنية جنتين باعتبار أن ما على يمين السَّائر كجنة ، وما على يسَاره كجنة .

وقيل : كان لكل رجل منهم في مَسكنه ، أي داره جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن شماله فكانوا يتفيؤون ظِلالهما في الصباح والمساء ويجتنون ثمارهما من نخيل وأعناب وغيرها ، فيكون معنى التركيب على التوزيع ، أي : لكل مسكن جنتان ، كقولهم : ركِب القومُ دوابهم ، وهذا مناسب لقوله : { في مساكنهم } دون أن يقول في بلادهم ، أو ديارهم ، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت محفوفة على يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافون فيها ويستثمروها مثل غوطة دمشق ، وهذا يناسب قوله بعدُ { وبدلناهم بجنتيهم جنتين } [ سبأ : 16 ] لأن ظاهره أن المبدل به جنتان اثنتان ، إلا أن تجعله على التوزيع من مقابلة المتعدد بالمتعدد .

والمعنى : أنهم كانوا أهل جنّات مغروسة أشجاراً مثمرة وأعناباً .

وكانت مدينتهم مأرب ( بهمزة ساكنة بعد الميم ) وهي بين صنعاء وحضرموت ، قبل ، كان السائر في طرائقها لو وضع على رأسه مكتلاً لوجده قد ملىء ثماراً مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها . ولعل في هذا القول شيئاً من المبالغة إلا أنها تؤذن بوفرة . وكان ذلك بسبب تدبير ألهمهم الله إياه في اختزان المياه النازلة في مواسم المطر بما بنوا من السد العظيم في مأرب .

وجملة { كلوا من رزق ربكم } مقول قول إما من دلالة لسان الحال كما في قوله :

امتلأ الحوض وقال قَطْني

وإما أُبلغوه على ألسنة أنبياء بعثوا منهم ، قيل : بعث فيهم اثنا عشر نبيئاً ، أي مثل تُبع أسعد ، فقد نقل أنه كان نبيئاً كما أشار إليه قوله تعالى : { وقوم تبع } [ ق : 14 ] أو غيره ، قال تعالى : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } [ غافر : 78 ] ، أو من غيرهم مما قاله سليمان بلقيس أو مما قاله الصالحون من رسل سليمان إلى سبأ ، وفي جعل { جنتان } في نظم الكلام بدلاً عن آية كناية عن طيب تربة بلادهم . قيل : كانوا يزرعون ثلاث مرات في كل عام .

والطيِّبة : الحسنة في جنسها الملائمة لمزاولها ومستثمرها قال تعالى : { وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف } [ يونس : 22 ] وقال : { فلنحيينه حياة طيبة } [ النحل : 97 ] وقال : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } [ الأعراف : 58 ] وقال : { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } [ آل عمران : 38 ] . وفي حديث أبي طلحة في صدقته بحائط ( بئرحاء ) : « وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب » . والطيّب ضد الخبيث قال تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } [ النساء : 2 ] وقال : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } [ الأعراف : 157 ] .

واشتقاقه من الطِيب بكسر الطاء بوزن فِعْل وهو الشيء الذي تعبق منه رائحة لذيذة .

وجملة { بلدة طيبة } من تمام القول وهي مستأنفة في الكلام المقول ، أي بلدةٌ لكم طيبة ، وتنكير { بلدة } للتعظيم . و { بلدة } مبتدأ و { طيبة } نعت ل { بلدة } ، وخبره محذوف ، تقديره : لكم ، وعُدل عن إضافة { بلدة } إلى ضميرهم لتكون الجملة خفيفة على اللسان فتكون بمنزلة المثَل .

وجملة { ورب غفور } عطف على جملة { بلدة طيبة } .

وتنكير { رب } للتعظيم . وهو مبتدأ محذوف الخبر على وزان { بلدة طيبة } ، والتقدير : ورب لكم ، أي ربكم غفور .

والعدول عن إضافة { رب } لضمير المخاطبين إلى تنكير { رب } وتقديرِ لام الاختصاص لقصد تشريفهم بهذا الاختصاص ولتكون الجملة على وزان التي قبلها طلباً للتخفيف ولتحصل المزاوجة بين الفقرتين فتسيرا مسير المثل .

ومعنى { غفور } : متجاوز عنكم ، أي عن كفرهم الذي كانوا عليه قبل إيمان ( بلقيس ) بدين سليمان عليه السلام ، ولا يُعلم مقدار مدة بقائهم على الإِيمان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ} (15)

قوله تعالى : " لقد كان لسبأ في مسكنهم{[13011]} آية " قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه اسم حي ، وهو في الأصل اسم رجل ، جاء بذلك التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم روى الترمذي قال : حدثنا أبو كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعي قال حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك المرادي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ، فأذن لي في قتالهم وأمر ، فلما خرجت من عنده سأل عني : ( ما فعل الغطيفي ){[13012]} ؟ فأخبر أني قد سرت ، قال : فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال : ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك ، قال : وأنزل في سبأ ما أنزل ، فقال رجل : يا رسول الله ، وما سبأ ؟ أرض أو امرأة ؟ قال : ليس بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة . فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة . وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار . فقال رجل : يا رسول الله وما أنمار ؟ قال : ( الذين منهم خثعم وبجيلة ) . وروي هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لسبأَ " بغير صرف ، جعله اسما للقبيلة ، وهو اختيار أبي عبيد ، واستدل على أنه اسم قبيلة بأن بعده " في مساكنهم " . النحاس : ولو كان كما قال لكان في مساكنها . وقد مضى في " النمل " {[13013]} زيادة بيان لهذا المعنى . وقال الشاعر في الصرف :

الواردون وتيمٌ في ذُرَى سبإٍ *** قد عضَّ أعناقهم جلدُ الجَوامِيسِ

وقال آخر في غير الصرف :

من سبَأَ الحاضرين مَأْرِبَ إذ *** يبنون من دون سيلها العَرِمَا

وقرأ قنبل وأبو حيوة والجحدري " لسبأْ " بإسكان الهمزة . " في مساكنهم " قراءة العامة على الجمع ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ؛ لأن لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد . وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص " مسكنهم " موحدا ، إلا أنهم فتحوا الكاف . وقرأ يحيى والأعمش والكسائي موحدا كذلك ، إلا أنهم كسروا الكاف . قال النحاس : والساكن في هذا أبين ؛ لأنه يجمع اللفظ والمعنى ، فإذا قلت " مسكنهم " كان فيه تقديران : أحدهما : أن يكون واحدا يؤدي عن الجمع . والآخر : أن يكون مصدرا لا يثني ولا يجمع ، كما قال الله تعالى : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم " {[13014]} [ البقرة : 7 ] فجاء بالسمع موحدا . وكذا " مقعد صدق " {[13015]} [ القمر : 55 ] و " مسكن " مثل مسجد ، خارج عن القياس ، ولا يوجد مثله إلا سماعا . " آية " اسم كان ، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم ، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك ، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها ، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر . " جنتان عن يمين وشمال " يجوز أن يكون بدلا من " آية " ، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف ، فوقف على هذا الوجه على " آية " وليس بتمام . قال الزجاج : أي الآية جنتان ، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف . وقال الفراء : رفع تفسيرا للآية ، ويجوز أن تنصب " آية " على أنها خبر كان ، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضا في غير القرآن . وقال عبد الرحمن بن زيد : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غيرها من الهوام ، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب . وقيل : إن الآية هي الجنتان ، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مكتل{[13016]} فيمتلئ من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها . قاله قتادة . وروى أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن . قال سفيان : وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما : نحن بنينا سَلْحِين في سبعين خريفا دائبين ، وعلى الآخر مكتوب : نحن بنينا صِرْواح مَقِيل ومَرَاح ، فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله . قال القشيري : ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة ، أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار ، تستتر الناس بظلالها .

" كلوا من رزق ربكم " أي قيل لهم كلوا ، ولم يكن ثم أمر ، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم . وقيل : أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لهم ذلك ، أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة . " كلوا من رزق ربكم " أي من ثمار الجنتين . " واشكروا له " يعني على ما رزقكم . " بلدة طيبة " هذا كلام مستأنف ، أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار . وقيل : غير سبخة . وقيل : طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها . قال مجاهد : هي صنعاء .

" ورب غفور " أي والمنعم بها عليكم رب غفور يستر ذنوبكم ، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه . وقيل : إنما ذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام . وقد مضى القول في هذا في أول " البقرة " {[13017]} . وقيل : إنما امتن عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا .


[13011]:" في مساكنهم" قراءة نافع وبها كان يقرأ المؤلف رحمة الله عليه.
[13012]:في الأصول والترمذي:" القطيفي" بالقاف بدل الغين وهو تحريف.
[13013]:راجع ج 13 ص 181.
[13014]:راجع ج 1 ص 185.
[13015]:راجع ج 17 ص 149.
[13016]:المكتل: شبه الزنبيل.
[13017]:راجع ج 1 ص 177.