انتقال إلى قولة أخرى من شناعة أهل الشرك معطوفة على { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } [ سبأ : 3 ] . وهذا القول قائم مقام الاستدلال على القول الأول لأن قولهم { لا تأتينا الساعة } دعوى وقولهم : { هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } مستنَد تلك الدعوى ، ولذلك حكي بمثل الأسلوب الذي حكيت به الدعوى في المسند والمسند إليه .
وأدمجوا في الاستدلال التعجيب من الذي يأتي بنقيض دليلهم ، ثم إرداف ذلك التعجيب بالطعن في المتعجَّب به .
والمخاطب بقولهم : { هل ندلكم } غير مذكور لأن المقصود في الآية الاعتبار بشناعة القول ، ولا غرض يتعلق بالمقول لهم . فيجوز أن يكون قولهم هذا تقاولاً بينهم ، أو يقوله بعضهم لبعض ، أو يقوله كبراؤهم لعامتهم ودهمائهم . ويجوز أن يكون قول كفار مكة للواردين عليهم في الموسم . وهذا الذي يؤذن به فعل { ندلكم } من أنه خطاب لمن لم يبلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم .
والاستفهام مستعمل في العرض مثل قوله تعالى : { فقل هل لك إلى أن تزكى } [ النازعات : 18 ] وهو عرض مكنّى به عن التعجيب ، أي هل ندلكم على أعجوبة من رجل ينبئكم بهذا النبأ المحال .
والمعنى : تسمعون منه ما سمعناه منه فتعرفوا عذرنا في مناصبته العداء . وقد كان المشركون هَيأوا ما يكون جواباً للذين يردون عليهم في الموسم من قبائل العرب يتساءلون عن خبر هذا الذي ظهر فيهم يدعي أنه رسول من الله إلى الناس ، وعن الوحي الذي يُبلغه عن الله كما ورد في خبر الوليد بن المغيرة إذ قال لقريش : إنه قد حضر هذا الموسمُ وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأَجْمِعوا فيه رأيا واحداً ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكُم بعضاً ويردّ قولُكم بعضه بعضاً ، فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقُل وأقم لنا رأياً نقول به . قال : بل أنتم قولوا أسمعْ ، قالوا : نقول كاهن ؟ قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأيْنا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه . قالوا : فنقول مجنون ؟ قال : ما هو بمجنون لقد رأينا الجُنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخلجه ولا وسوسته ، قالوا : فنقول شاعر ؟ قال : لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر ، فقالوا : فنقول ساحر ؟ قال : ما هو بنفثه ولا عَقده ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : إن أقرب القول فيه أن تقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته .
فلعل المشركين كانوا يستقبلون الواردين على مكة بهاته المقالة { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } طمعاً منهم بأنها تصرف الناس عن النظر في الدعوة تلبساً باستحالة هذا الخَلْق الجديد .
قوله تعالى : " وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل " وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها " ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق " هذا إخبار عمن قال : " لا تأتينا الساعة " [ سبأ : 3 ] أي هل نرشدكم إلى رجل ينبكم ، أي يقول لكم : إنكم تبعثون بعد البلي في القبور . وهذا صادر عن فرط إنكارهم . الزمخشري : " فإن قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما في قريش ، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم ، فما معنى قولهم : " هل ندلكم على رجل ينبئكم " فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه ، كما يدل على مجهول في أمر مجهول .
قلت : كانوا يقصدون بذلك الطنز{[12956]} والهزؤ والسخرية ، فأخرجوه مخرج التحكي{[12957]} ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي ، متجاهلين به وبأمره . و " إذا " في موضع نصب والعامل فيها " مزقتم " قاله النحاس . ولا يجوز أن يكون العامل فيها " ينبئكم " ، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت . ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد " إن " ، لأنه لا يعمل فيما قبله ، وألا يتقدم عليها ما بعدها ومعمولها . وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا . التقدير : إذا مزقتم كل ممزق بعثتم ، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم . المهدوي : ولا يعمل فيه " مزقتم " ؛ لأنه مضاف إليه ، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . وأجازه بعضهم على أن يجعل " إذا " للمجازاة ، فيعمل فيها حينئذ ما بعدها لأنها غير مضافة إليه . وأكثر ما تقع " إذا " للمجازاة في الشعر . ومعنى " مزقتم كل ممزق " فرقتم كل تفريق . والمزق خرق الأشياء . يقال : ثوب مزيق وممزوق ومتمزق وممزق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.