والكتاب : اسم لمجموع حروف دالة على ألفاظ مفيدة وسمي القرآن كتاباً لأن الله أوحى بألفاظه وأمر رسوله بأن يكتب ما أُوحي إليه ، ولذلك اتخذ الرسول كتَّاباً يكتبون له كل ما ينزل عليه من القرآن . وإيثار الصفتين { الرحمن الرَّحِيمِ } على غيرهما من الصفات العلية للإِيماء إلى أن هذا التنزيل رحمة من الله بعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور كقوله تعالى : { فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } [ الأنعام : 157 ] وقولِه تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] وقوله : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } [ العنكبوت : 51 ] .
والجمع بين صفتي { الرحمن الرَّحِيم } للإيماء إلى أن الرحمة صفة ذاتيَّة لله تعالى ، وأن متعلقها منتشر في المخلوقات كما تقدم في أول سورة الفاتحة والبسملة . وفي ذلك إيماء إلى استحماق الذين أعرضوا عن الاهتداء بهذا الكتاب بأنهم أعرضوا عن رحمة ، وأن الذين اهتدوا به هم أهل المرحمة لقوله بعد ذلك : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى } [ فصلت : 44 ] .
ومعنى : { فُصِّلَتْ ءاياته } بُينت ، والتفصيل : التبيين والإخلاء من الالتباس . والمراد : أن آيات القرآن واضحة الأغراض لا تلتبس إلا على مكابر في دلالة كل آية على المقصود منها ، وفي مواقعها وتمييز بعضها عن بعض في المعنى باختلاف فنون المعاني التي تشتمل عليها ، وقد تقدم في طالعة سورة هود .
ومن كمال تفصيله أنه كان بلغة كثيرة المعاني ، واسعة الأفنان ، فصيحة الألفاظ ، فكانت سالمة من التباس الدلالة ، وانغلاق الألفاظ ، مع وفرة المعاني غير المتنافية في قلة التراكيب ، فكان وصفه بأنه عربي من مكملات الإِخبار عنه بالتفصيل . وقد تكرر التنويه بالقرآن من هذه الجهة كقوله : { بلسان عربي مبين } [ الشعراء : 195 ] ولهذا فرع عليه ذم الذين أعرضوا عنه بقوله هنا { فَأعْرَضَ أكْثَرُهُم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون } وقوله هنالك : { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } [ الشعراء : 200 ، 201 ] .
والقرآن : الكلام المقروء المتلوّ . وكونه قُرآناً من صفات كماله ، وهو أنه سهْل الحفظ ، سهْل التلاوة ، كما قال تعالى : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [ القمر : 22 ] ولذلك كان شأن الرسول صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن عن ظهر قلب ، وكان شأن المسلمين الاقتداء به في ذلك على حسب الهمم والمَكْنَات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى تفضيل المؤمنين بما عندهم من القرآن . وكان يوم أحد يقدم في لحد شهدائه مَن كان أكثرهم أخذاً للقرآن تنبيهاً على فضل حفظ القرآن زيادة على فضل تلك الشهادة .
وانتصب { قرآناً } على النعت المقطوع للاختصاص بالمدح وإلا لكان مرفوعاً على أنه خبر ثالث أو صفة للخبر الثاني ، فقوله : قرآناً } مقصود بالذكر للإشارة إلى هذه الخصوصية التي اختص بها من بين سائر الكتب الدينية ، ولولا ذلك لقال : كتاب فصّلت آياته عربي كما قال في سورة الشعراء ( 195 ) { بلسان عربي مبين } ولك أن تجعله منصوباً على الحال .
وقوله : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } صفة ل { قرآناً } ظرفٌ مستقر ، أي كائناً لقوم يعلمون باعتبار ما أفاده قوله : { قُرءَاناً عَرِبيَّاً } من معنى وضوح الدلالة وسطوع الحجة ، أو يتعلق { لِقَوْمٍ يَعْلَمُون } بقوله : { تنزيل } أو بقوله : { فُصِّلَتْ ءاياته } على معنى أن فوائد تنزيله وتفصيله لقوم يعلمون دون غيرهم فكأنه لم يُنزل إلا لهم ، أي فلا بدع إذا أعرض عن فهمه المعاندون فإنهم قوم لا يعلمون ، وهذا كقوله تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } [ يونس : 101 ] وقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } [ العنكبوت : 43 ] وقوله : { إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } [ يوسف : 2 ] وقوله : { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } [ العنكبوت : 49 ] .
قوله تعالى : " حم ، تنزيل من الرحمن الرحيم " قال الزجاج : " تنزيل " رفع بالابتداء وخبره " كتاب فصلت آياته " وهذا قول البصريين . وقال الفراء : يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا . ويجوز أن يقال : " كتاب " بدل من قوله : " تنزيل " . وقيل : نعت لقوله : " تنزيل " . وقيل : " حم " أي هذه " حم " كما تقول باب كذا ، أي هو باب كذا ف " حم " خبر ابتداء مضمر أي هو " حم " ، وقوله : " تنزيل " مبتدأ آخر ، وقوله : " كتاب " خبره . " فصلت آياته " أي بينت وفسرت . قال قتادة : ببيان حلاله من حرامه ، وطاعته من معصيته . الحسن : بالوعد والوعيد . سفيان : بالثواب والعقاب . وقرئ " فصلت " أي فرقت بين الحق والباطل ، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها ، من قولك فصل أي تباعد من البلد . " قرآنا عربيا " في نصبه وجوه ، قال الأخفش : هو نصب على المدح . وقيل : على إضمار فعل ، أي اذكر " قرآنا عربيا " . وقيل : على إعادة الفعل ، أي فصلنا " قرآنا عربيا " . وقيل : على الحال أي " فصلت آياته " في حال كونه " قرآنا عربيا " . وقيل : لما شغل " فصلت " بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب " قرآنا " لوقوع البيان عليه . وقيل : على القطع . " لقوم يعلمون " قال الضحاك : أي إن القرآن منزل من عند الله . وقال مجاهد : أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل . وقيل : يعلمون العربية فيعجزون عن مثله ولو كان غير عربي لما علموه .
قلت : هذا أصح ، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن .
" بشيرا ونذيرا " حالان من الآيات والعامل فيه " فصلت " . وقيل : هما نعتان للقرآن " بشيرا " لأولياء الله " نذيرا " لأعدائه . وقرئ " بشير ونذير " صفة للكتاب . أو خبر مبتدأ محذوف " فأعرض أكثرهم " يعني أهل مكة " فهم لا يسمعون " سماعا ينتفعون به . وروي أن الريان بن حرملة قال : قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم آتانا ببيان من أمره ، فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر ، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك . فقالوا : إيته فحدثه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب ؟ أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ فبم تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا ، وتسفه أحلامنا ، وتذم ديننا ؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت ، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت ، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك . والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت ، فلما فرغ قال : ( قد فرغت يا أبا الوليد ) ؟ قال : نعم . [ قال فاسمع مني ]{[13410]} قال : ( يا ابن أخي اسمع ) قال : " بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " إلى قوله : " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " [ فصلت : 13 ] فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وناشده الله والرحم ليسكتن ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل فقال : أصبوت إلى محمد ؟ أم أعجبك طعامه ؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالا ، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ، ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله : " مثل صاعقة عاد وثمود " [ فصلت : 13 ] وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب ، يعني الصاعقة . وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " حم . فصلت " حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع ، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره . فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال له : ( يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك ) فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا : والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم . ثم قالوا : ما وراءك أبا الوليد ؟ قال : والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي ، خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ ، فان أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم ، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به ؛ لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم . فقالوا : هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد . وقال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.