التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ} (35)

{ وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فى ءاياتنا مَا لَهُمْ من محيص } .

قرأ نافع وابن عامر ويعقوب برفع { ويعلمُ } على أنه كلام مستأنف . وقرأه الباقون بالنصب .

فأما الاستئناف على قراءة نافع وابن عامر ويعقوب فمعناه أنه كلام أنُف لا ارتباط له بما قبله ، وذلك تهديد للمشركين بأنهم لا محيص لهم من عذاب الله لأنه لما قال : { ومن آياته الجواري في البحر } [ الشورى : 32 ] صار المعنى : ومن آيات انفراده بالإلهية الجواري في البحر . والمشركون يجادلون في دلائل الوحدانية بالإعْراض والانصراف عن سماعها فهددهم الله بأن أعلمهم أنهم لا محيص لهم ، أي من عذابه ، فحُذف متعلق المحيص إبهاماً له تهويلاً للتهديد لتذهب النفس كل مذهب ممكن فيكون قوله : ويعلم الذين يجادلون } خبَراً مراداً به الإنشاء والطلب فهو في قوة : وليعلمْ الذين يجادلون ، أو اعلموا يا من يجادلون ، وليس خبراً عنهم لأنهم لا يؤمنون بذلك حتى يعلموه .

وأما قراءة النصب فهي عند سيبويه وجمهور النحاة على العطف على فعللٍ مدخول للام التعليل ، وتضمَّن ( أنْ ) بعده . والتقدير : لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون الخ . وسموا هذه الواو واو الصَّرفْ لأنها تصرف ما بعدها عن أن يكون معطوفاً على ما قبلها ، إلى أن يكون معطوفاً على فعل متصيَّد من الكلام ، وهذا قول سيبويه في باب ما يرتفع بين الجزمين وينجزم بينهما ، وتبعه في « الكشاف » ، وذهب الزجاج إلى أن الواو واو المعية التي ينصب الفعل المضارع بعدها ب ( أن ) مضمرة .

ويجوز أن يجعل الخبر مستعملاً في مقاربة المخبر به كقولهم : قد قامت الصلاة ، فلما كان علمهم بذلك يوشك أن يَحصل نُزّل منزلة الحاصل فأخبر عنهم به ، وعلى هذا الوجه يكون إنذاراً بعقاب يحصل لهم قريب وهو عذاب السيف والأسْر يوم بدر .

وذكر فعل { يعلَم } للتنويه والاعتناء بالخبر كقوله تعالى : { واعْلموا أنكم ملاقُوه } في سورة البقرة ( 223 ) ، وقوله : { واعلموا أنما غنمتم من شيء } في سورة الأنفال ( 41 ) ، وقول النبي حين رأى أبا مسعود الأنصاري يضرب غلاماً له فناداه : اعْلَم أبَا مسعود اعْلم أبَا مسعود ، قال أبو مسعود : فالتفتُّ فإذا هو رسول الله فإذا هو يقول : اعلَم أبا مسعود . فألقيت السوط من يدي ، فقال لي : إن الله أقدر عليك منكَ على هذا الغلام رواه مسلم أواخر كتاب الإيمان . وتقدم معنى الذين يجادلون في آياتنا } في هذه السورة .

و { مَا } نافية ، وهي معلِّقة لفعل { يعلم } عن نصب المفعلوين .

والمَحِيص : مصدر ميمي من حاص ، إذا أخذ في الفرار ومَال في سَيره ، وفي حديث أبي سفيان في وصْف مجلس هرقل « فحاصُوا حَيْصة حُمر الوحش وأغلقت الأبواب » . والمعنى : ما لهم من فرار ومهرب من لقاء الله . والمراد : ما لهم من محيد ولا ملجأ . وتقدم في قوله تعالى : { ولا يجدون عنها محيصاً } في سورة النساء ( 121 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ} (35)

" ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص " يعني الكفار ، أي إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد علموا أنه لا ملجأ له لهم سوى الله ، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة ، وقد مضى هذا المعنى في غير موضع{[13521]} ومضى القول في ركوب البحر في " البقرة " {[13522]} وغيرها بما يغني عن إعادته . وقرأ نافع وابن عامر " ويعلم " بالرفع ، الباقون بالنصب . فالرفع على الاستئناف بعد الشرط والجزاء ، كقوله في سورة التوبة : " ويخزهم وينصركم عليهم " {[13523]} [ التوبة : 14 ] ثم قال : " ويتوب الله على من يشاء " [ التوبة : 15 ] رفعا . ونظيره في الكلام : إن تأتني آتك وينطلق عبد الله . أو على أنه خبر ابتداء محذوف . والنصب على الصرف ، كقوله تعالى : " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " {[13524]} [ آل عمران : 142 ]صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا كراهية لتوالي الجزم ، كقول النابغة :

فإن يهلك أبُو قابوسَ يَهْلِكْ *** ربيعُ الناس والشهرُ الحرام{[13525]}

ويمسك بعده بذِنَابِ عيشٍ *** أجبَّ الظهر ليس سَنَامُ{[13526]}

وهذا معنى قول الفراء ، قال : ولو جزم " ويعلم " جاز . وقال الزجاج : نصب على إضمار " أن " لأن قبلها جزما ، تقول : ما تصنع أصنع مثله وإن شئت قلت . وأكرمك بالجزم . وفي بعض المصاحف " وليعلم " . وهذا يدل على أن النصب بمعنى : وليعلم أو لأن يعلم . وقال أبو علي والمبرد : النصب بإضمار " أن " على أن يجعل الأول في تقدير المصدر ، أي ويكون منه عفو وأن يعلم فلما حمله . على الاسم أضمر أن ، كما تقول : إن تأتني وتعطيني أكرمك ، فتنصب تعطيني ، أي إن يكن منك إتيان وأن تعطيني . ومعنى " من محيص " أي من فرار ومهرب ، قاله قطرب . السدي : من ملجأ ، وهو مأخوذ من قولهم : حاص به البعير حيصة إذا رمى به . ومنه قولهم : فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه .


[13521]:راجع ج 8 ص 325 و ج 13 ص 223.
[13522]:راجع ج 2 ص 195 طبعة ثانية.
[13523]:آية 14.
[13524]:آية 142 سورة آل عمران.
[13525]:أبو قابوس: كنيته النعمان بن المنذر، يريد أنه كان كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، أي لا يوصل إلى من أجاره. والمعنى: إن يمت النعمان يذهب خير الدنيا لأنها كانت تعمر به وبجوده وعدله ونفعه للناس، ومن كان في ذمته وسلطانه فهو آمن على نفسه محقون الدم كما يأمن الناس في الشهر الحرام على أموالهم ودمائهم.
[13526]:ذناب كل شيء: عقبه ومؤخره. وأجب الظهر مقطوع السنام. يقول: إن مات بقينا في طرف عيش قد مضى صدره ومعظمه وختره، وقد بقي منه ذنبه.