البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ} (35)

وقرأ الأعرج ، وأبو جعفر ، وشيبة ، ونافع ، وابن عامر ، وزيد بن علي : { ويعلم } بالرفع على القطع .

وقرأ الجمهور : ويعلم بالنصب ؛ قال أبو علي وحسن : النصب إذا كان قبله شرط وجزاء ، وكل واحد منهما غير واجب .

وقال الزجاج : على إضمار أن ، لأن قبلها جزاء .

تقول : ما تصنع أصنع مثله ، وأكرمك ، وإن أشئت ، وأكرمك علي ، وأنا أكرمك ، وإن شئت ، وأكرمك جزماً .

قال الزمخشري : فيه نظر ، لما أورده سيبويه في كتابه قال : واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله : إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف ، وهو نحو من قوله :

وألحق بالحجاز فاستريحا . . .

فهذا لا يجوز ، وليس بحد الكلام ولا وجهه ، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً ، لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل .

فلما ضارع الذي لا يوجبه ، كالاستفهام ونحوه ، أجازوا فيه هذا على ضعفه .

قال الزمخشري : ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ، ولو كانت من هذا الباب ، لما أخلى سيبويه منها كتابه ، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة . انتهى .

وخرج الزمخشري النصب على أنه معطوف على تعليل محذوف ، قال تقديره : لينتقم منهم { ويعلم الذين يجادلون } ، يكره في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ، ومنه قوله تعالى : { ولنجعلك آية للناس } وقوله : { خلق الله السموات والأرض بالحق } { ولتجزى كل نفس بما كسبت } انتهى .

ويبعد تقديره لينتقم منها ، لأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ، فلا يحسن لينتقم منهم .

وأما الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف ، أي { ولنجعله آية للناس } ، { ولتجزى كل نفس بما كسبت } .

فعلنا ذلك ، وكثيراً ما يقدر هذا الفعل محذوفاً قبل لام العلة ، إذا لم يكن فعل ظاهر يتعلق به .

وذكر الزمخشري أن قوله تعالى : { ويعلم } قرئ بالجزم ، فإن قلت : فكيف يصح المعنى على جزم ويعلم ؟ قلت : كأنه قال : أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين ، لأن قوله : { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } يتضمن تحذيرهم من عقاب الله ، { وما لهم من محيص } في موضع نصب ، لأن يعلم معلقة ، كقولك : علمت ما زيد قائم .

وقال ابن عطية في قراءة النصب ، وهذه الواو ونحوها التي تسميها الكوفيون واو الصرف ، لأن حقيقة واو الصرف التي يريدونها عطف فعل على اسم مقدر ، فيقدر أن ليكون مع الفعل بتأويل المصدر ، فيحسن عطفه على الاسم . انتهى .

وليس قوله تعليلاً لقولهم واو الصرف ، إنما هو تقرير لمذهب البصريين .

وأما الكوفيون فإن واو الصرف ناصبة بنفسها ، لا بإضمار أن بعدها .

وقال أبو عبيد على الصرف كالذي في آل عمران : { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ومعنى الصرف أنه كان على جهة ، فصرف إلى غيرها ، فتغير الإعراب لأجل الصرف .

والعطف لا يعين الاقتران في الوجود ، كالعطف في الأسم ، نحو : جاء زيد وعمرو .

ولو نصب وعمرو اقتضى الاقتران ؛ وكذلك واو الصرف ، ليفيد معنى الاقتران ويعين معنى الاجتماع ، ولذلك أجمع على النصب في قوله : { ويعلم الصابرين } ، أي ويعلم المجاهدين والصابرين معاً .