التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ} (29)

انتقال من التهديد والوعيد إلى الإنذار بأن الله مطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يضمره المنافقون من الكفر والمَكر والكيد ليعلموا أن أسرارهم غير خافية فيوقنوا أنهم يكدون عقولهم في ترتيب المكائد بلا طائل وذلك خيبة لآمالهم .

و { أمْ } منقطعة في معنى ( بل ) للإضراب الانتقالي ، والاستفهام المقدر بعد { أم } للإنكار . وحرف ( لن ) لتأييد النفي ، أي لا يحسبون انتفاء إظهار أضغانهم في المستقبل ، كما انتفى ذلك فيما مضى ، فلعل الله أن يفضح نفاقهم .

واستعير المرض إلى الكفر بجامع الإضرار بصاحبه ، ولكون الكفر مقره العقل المعبر عنه بالقَلب كان ذكر القلوب مع المرض ترشيحاً للاستعارة لأن القلب مما يناسب المرض الخفيّ إذ هو عضو باطن فناسب المرض الخفيّ .

والإخراج أطلق على الإظهار والإبراز على وجه الاستعارة لأن الإخراج استلال شيء من مكمَنه ، فاستعير للإعلام بخبَر خفيّ .

والأضغان : جمع ضِغن بكسر الضاد المعجمة وسكون الغين المعجمة وهو الحقد والعداوة . والمعنى أنه يخرجها من قلوبهم وكان العرب يجعلون القلوب مقر الأضغان قال الشاعر ، وهو من شواهد المفتاح للسكاكي ولا يعرف قائله :

الضارِبين بكلّ أبيضَ مِخْذَم *** والطاعنين مَجَامع الأضغَان

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ} (29)

قوله تعالى : " أم حسب الذين في قلوبهم مرض " نفاق وشك ، يعني المنافقين . " أن لن يخرج الله أضغانهم " الأضغان ما يضمر من المكروه . واختلف في معناه ، فقال السدي : غشهم . وقال ابن عباس : حسدهم . وقال قطرب : عداوتهم ، وأنشد قول الشاعر :

قل لابن هند ما أردت بمنطق *** ساء الصديق وشيَّد الأضْغَانَا

وقيل : أحقادهم . واحدها ضغن . قال :

وذي ضِغْنٍ كففتُ النَّفْسَ عنه

وقد تقدم . وقال عمرو بن كلثوم :

وإن الضغن بعد الضغن يفشو *** عليك ويخرج الداء الدَّفِينا

قال الجوهري : الضغن والضغينة : الحقد . وقد ضغن عليه ( بالكسر ) ضغنا . وتضاغن القوم واضطغنوا : أبطنوا على الأحقاد . واضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك . وأنشد الأحمر :

كأنه مُضْطَغِنٌ صَبِيّا

أي حامله في حجره . وقال ابن مقبل :

إذا اضطغنتُ سلاحِي عند مَغرِضها *** ومِرْفَقٍ كرِئاس السيف إذ شَسَفَا{[13955]}

وفرس ضاغن : لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب . والمعنى : أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام .


[13955]:المغرض: جانب البطن أسفل الأضلاع. و"رئاس السيف": مقبضه. و" الشاسف": اليابس من الضمر والهزال.