التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ} (25)

وفسر ابن عباس السُعُر بالعذاب على أنه جمع سَعير . وجملة { ألقى الذكر عليه من بيننا } تعليل للاستفهام الإِنكاري .

و { ألقى } حقيقته : رُميَ من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإِنزال الذكر من السماء قال تعالى : { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } [ المزمل : 5 ] .

و ( في ) للظرفية المجازية ، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف بالظرف .

و { من بيننا } حال من ضمير { عليه } ، أي كيف يُلقى عليه الذكر دوننا ، يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات هي أسبابها في الحقائق .

وحرف { من } في قوله : { من بيننا } بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن أباه ابن هشام أي مفصولاً من بيننا كقوله تعالى : { والله يعلم المفسد من المصلح } [ البقرة : 220 ] .

و { بل هو كذاب أشر } إضراب عن ما أنكروه بقولهم : { أألقى الذكر عليه من بيننا } أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب فيما ادعاه ، بَطر متكبر .

و ( الأشر ) بكسر الشين وتخفيف الراء : اسم فاعل أَشِر ، إذا فرح وبَطَر ، والمعنى : هو معجَب بنفسه مُدَّعٍ ما ليس فيه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ} (25)

قوله تعالى : " أألقي الذكر عليه من بيننا " أي خصص بالرسالة من بين آل ثمود وفيهم من هو أكثر مالا وأحسن حالا ؟ ! وهو استفهام معناه الإنكار . " بل هو كذاب أشر " أي ليس كما يدعيه وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق . والأشر المرح والتجبر والنشاط . يقال : فرس أشر إذا كان مرحا نشيطا قال امرؤ القيس يصف كلبا :

فيدركنا فَغِمٌ داجن *** سميع بصير طُلُوبٌ نَكِرْ{[14482]}

أَلَصُّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضلوع *** تَبُوعٌ أرِيبٌ نَشِيطٌ أَشِرْ{[14483]}

وقيل : " أشر " بطر . والأشر البطر ، قال الشاعر :

أَشِرْتُم بلُبْسِ الخَزِّ لما لَبِسْتُم *** ومن قبل ما تدرون مَنْ فَتَحَ القُرَى

وقد أشر بالكسر يأشر أشرا فهو أشر وأشران ، وقوم أُشَارى مثل سكران وسكارى ، قال الشاعر{[14484]} :

وَخَلَّتْ وُعُولاً أُشَارَى بها *** وقد أَزْهَفَ الطعنُ أبطالَها

وقيل : إنه المتعدي إلى منزلة لا يستحقها ، والمعنى واحد . وقال ابن زيد وعبدالرحمن بن حماد : الأشر الذي لا يبالي ما قال . وقرأ أبو جعفر وأبو قلابة " أشر " بفتح الشين وتشديد الراء يعني به : أشرنا وأخبثنا .


[14482]:الفغم: المولع بالصيد الحريص عليه. داجن: ألوف للصيد. ونكر أي منكر عالم. وقيل نكر أي كريه الصورة.
[14483]:الألص الذي التصقت أسنانه بعضها إلى بعض.
[14484]:هي مية بنت ضرار الضبي ترثي أخاها. وأزهف الطعن أبطالها أي صرعها. وقبل البيت: تراه على الخيل ذا قدمة *** إذا سربل الدم أكفالها