اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ} (25)

قوله : { أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } معناه أأنزل عليه الذكر ، وهُو الوحي{[54080]} «مِنْ بَيْنِنَا » حال من هاء «عليه » ، أي ألقي عليه منفرداً من بيننا أي خصص بالرسالة من بين آلِ ثمود وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً . وهو استفهام بمعنى الإنكار .

قوله : { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } الأشِرُ البَطِرُ ، يقال : أَشِرَ يأشَرُ أَشَراً فَهُو أشِرٌ كَفِرحَ ، وآشِرٌ كَضَارِبٍ وأَشْرَانُ كَسَكْرَانَ ، وأُشَارَى كَأُسَارَى .

وقرأ أبو قِلاَبَةَ : { بل هو الكَذَّابُ الأَشَرُّ } ، { مَنِ الكَذَّابُ الأَشَرُّ } ؟ بفتح الشين وتشديد الراء ، جَعَلَهُمَا أفعلَ تَفْضِيلٍ . وهو شاذ ، لأنه ( لم ) {[54081]} يحْذف الهمزة من لفظ الخَيْرِ والشّرّ في «أفعل » التفضيل ، تقول : زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْ عَمْرو وشَرٌّ مِن بَكْرٍ{[54082]} ، ولا تقول : أخْيَرُ ولا أَشَرّ إلاَّ في نُذُورٍ كهذه القراءة{[54083]} وكقول رؤبة :

بِلاَلُ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ{[54084]} *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتثبت فيهما في التعجب نحو : ما أَخْيَرَهُ ومَا أَشَرَّهُ . ولا يحذف إلى في نُدَورٍ عكس أفعل التفضيل ، قالوا : مَا خَيْرَ اللَّبَنَ للصّحيح ، وَمَا شَرَّهُ لِلْمَبطُونِ . وهذا من محاسن الصِّناعة . وقرأ أبو قَيْس الأَوْدِيُّ ومجاهدٌ الحرف الثاني الأشُرُ بثلاث ضمات ، وتخريجها على أن فيه لغةً أُشُر بضم الشين كحُذُر وَحَذُر ، ثم ضمت الهمزة إِتباعاً لضمِّ الشين . ونقل الكسائي عن مجاهد ضم الشين وفتح الهمزة على أصل تِيكَ اللغة كَحَذُرٍ{[54085]} .

فصل

( الأَشر ) {[54086]} التحيّر والنشاط ، يقال : فَرَسٌ أَشِرٌ إذا كان مَرِحاً نَشِطاً . قال امرؤ القيس يصف كلباً :

فَيُدْرِكُنَا فَغِمٌ دَاجِنٌ *** سَمِيعٌ بَصِيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ

أَلَصّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ *** تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشِيطٌ أَشِرْ{[54087]}

( و ) قيل : إنه المتعدي إلى منزلةٍ لا يستحقها . وقال ابن زيد وعبد الرحمان بن حماد : الأَشِرُ الذي لا يُبَالِي ما قال .

وفي قراءة أبي قلابة بفتح الشين وتشديد الراء فالمعنى أَشَرُّنَا وأَخْبَثُنَا .

فإن قيل : قولهم : بل هو كذاب يستدعي أمراً مضروباً عنه فما هو ؟

فالجواب : قولهم : أألقي للإنكار فكأنهم قالوا : مَا ألقي ، ثم إنَّ قولَهم : أألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بِنبِيٍّ ، وقول القائل : ليس بِنبي لا يلزم منه أنه كاذب فكأنهم قالوا ليس بنبي ، ثم قالوا : بل هو ليس بصادقٍ{[54088]} .


[54080]:القرطبي 17/138، والبغوي والخازن 6/276.
[54081]:زيادة لاستقامة المعنى والكلام.
[54082]:وقولهم في المؤنث: الخُورَى والشُّرَّى.
[54083]:وقد ذكر هذه القراءة وتعليقها أبو الفتح بن جني في المحتسب 2/299 وأبو حيان في البحر 8/180 والزمخشري في الكشاف 4/39، بينما سكت عنها ابن خالويه في المختصر عند هذا الموضع.
[54084]:رجز مشطور نسب لرؤبة ولم أجده بديوانه بلفظه هذا. وما في الديوان بتصحيح وليم بن الورد مجموع أشعار العرب رؤبة بن العجاج: يا قاسم الخيرات وابن الأخير *** .................... وانظر الديوان هذا ص 62 والقرطبي 17/139 وروح المعاني 27/89 والبحر 8/180 والأشموني 3/43 والتصريح 2/101 والهمع 2/166، والمحتسب 2/299. وشاهده: وقوع الأخير من أفعل تفضيل دون حذف الهمزة وذلك نادر وقليل من الشذوذ بمكان نستطيع أن نقول عنه: فصيح استعمالا شاذٌّ قياسا.
[54085]:نقل القراءتين البحر المحيط 8/180 بينما نقل القراءة الثانية ابن جني في المحتسب 2/299.
[54086]:سقط من أ.
[54087]:من المتقارب له. والفغمُ المولَع بالصّيد الحريصُ عليه. والدّاجن: ألوف للصيد ونكرٌ: منكر عالم وقيل: كريه الصورة، والألصّ: الذي التصقت أسنانه بعضها إلى بعض، والأريب الذكيّ. والتّذبوع: التابع الأثر. والبيتان بعد واضحان. وشاهده: في أن الأشر معناه النشيط. وانظر الديوان 160 والقرطبي 17/138.
[54088]:قال بهذا السؤال والإجابة عليه الرازي معنى من التفسير الكبير 15/25.