التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ} (24)

قوله : { فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه } إلى قوله : { بل هو كذاب أشر } ولو كان المراد بالنذر جمع النذير وأطلق على نذيرهم لكان وجه النظم أن تقع جملة { فقالوا أبشراً } إلى آخرها غير معطوفة بالفاء لأنها تكون حينئذٍ بياناً لجملة { كذبت ثمود بالنذر } .

والمعنى : أن صالحاً جاءهم بالإِنذارات فجحدوا بها وكانت شبهتهم في التكذيب ما أعرب عنه قولهم : { أبشراً منا واحداً نتبعه } إلى آخره ، فهذا القول يقتضي كونه جواباً عن دعوة وإنذار ، وإنما فُصّل تكذيب ثمود وأجمل تكذيب عاد لقصد بيان المشابهة بين تكذيبهم ثمود وتكذيب قريش إذ تشابهت أقوالهم .

والقول في انتظام جملة { فقالوا أبشراً } الخ بعد جملة { كذبت ثمود بالنذر } كالقول في جملة { فكذبوا عبدنا } [ القمر : 9 ] بعد جملة { كذبت قبلهم قوم نوح } [ القمر : 9 ] .

وهذا قول قالوه لرسولهم لما أنذرهم بالنذر لأن قوله : { كذبت } يؤذن بمخبر إذ التكذيب يقتضي وجود مخبر . وهو كلام شافهوا به صالحاً وهو الذي عنوه بقولهم : { أبشراً منَّا } إلخ . وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة .

وانتصب { أبشراً } على المفعولية ل { نتبعه } على طريقة الاشتغال ، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام لأن حقها التصدير واتصلت به دونَ أن تدخل على نتبع لأن محل الاستفهام الإنكاري هو كون البشر متبوعاً لا اتباعهم له ومثله { أبشر يهدوننا } [ التغابن : 6 ] وهذا من دقائق مواقع أدوات الاستفهام كما بين في علم المعاني .

والاستفهام هنا إنكاري ، أنكروا أن يرسل الله إلى الناس بَشراً مثلهم ، أي لو شاء الله لأرسل ملائكة .

ووصف { بشراً } ب { واحداً } : إما بمعنى أنه منفرد في دعوته لا أتباع له ولا نصراء ، أي ليس ممن يخشى ، أي بعكس قول أهل مدين { ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز } [ هود : 91 ] . وإما بمعنى أنه من جملة آحاد الناس ، أي ليس من أفضلنا . وإما بمعنى أنه منفرد في ادعاء الرسالة لا سلف له فيها كقول أبي مِحْجن الثقفي :

قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً *** سَكن المدينة من مزارع فُوم

يريد : لا يناظرني في ذلك أحد .

وجملة { إنا إذا لفي ضلال وسعر } تعليل لإنكار أن يتبعوا بشراً منهم تقديره : أنتّبعك وأنت بشر واحد منا .

و ( إذن ) حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها . والضلال : عدم الاهتداء إلى الطريق ، أرادوا : إنا إذن مخطئون في أمرنا .

و { السُعُر } : الجُنون ، يقال بضم العين وسكونها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ} (24)

" فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه " وندع جماعة . وقرأ أبو الأشهب وابن السميقع وأبو السمال العدوي " أبشر " بالرفع " واحد " كذلك رفع بالابتداء والخبر " نتبعه " . الباقون بالنصب على معنى أنتبع بشرا منا واحدا نتبعه . وقرأ أبو السمال{[14478]} : " أبشر " بالرفع " منا واحدا " بالنصب ، رفع " أبشر " بإضمار فعل يدل عليه " أألقي " كأنه قال : أينبأ بشر منا ، وقوله : " واحدا " يجوز أن يكون حالا من المضمر في " منا " والناصب له الظرف ، والتقدير أينبأ بشر كائن منا منفردا ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " نتبعه " منفردا لا ناصر له . " إنا إذا لفي ضلال " أي ذهاب عن الصواب " وسعر " أي جنون ، من قولهم : ناقة مسعورة ، أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة ، ذكره ابن عباس . قال الشاعر يصف ناقته :

تخَالُ بها سُعْراً إذا السَّفْرُ هزها *** ذَمِيلٌ وإيقاعٌ من السَّيْرٍ مُتْعِبُ

[ الذميل{[14479]} ضرب من سير الإبل . قال أبو عبيد : إذا ارتفع السير عن العنق قليلا فهو التزيد ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل ، ثم الرسيم ، يقال : ذَمَل يَذْمُل ويَذْمِلُ ذميلا . قال الأصمعي : ولا يَذْمُل بعيرٌ يوما وليلة إلا مهري قاله ج ] . وقال ابن عباس أيضا : السعر العذاب ، وقاله الفراء . مجاهد : بعد الحق . السدي : في احتراق . قال{[14480]} :

أصحوتَ اليوم أم شَاقَتْكَ هِرْ *** ومن الحب جنون مُسْتَعِرْ

أي متقد ومحترق . أبو عبيدة : هو جمع سعير وهو لهيب النار . والبعير{[14481]} المجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدة . ومعنى الآية : إنا إذا لفي شقاء وعناء مما يلزمنا .


[14478]:هذه رواية أخرى عن أبي السمال كما في "روح المعاني" وغيره. وفي ب، ز، ول "أبو السمال" بالكاف وليس بصحيح.
[14479]:زيادة من ب، هـ.
[14480]:هو طرفة.
[14481]:في ا، ز، ل: السعير.