التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} (27)

و { وجه ربك } : ذاته ، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب . قال في « الكشاف » : والوجه يعبر به عن الجملة والذات اهـ .

وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا ومنها قوله : { فأينما تولوا فثم وجه الله } [ البقرة : 115 ] وقوله : { إنما نطعمكم لوجه الله } [ الإنسان : 9 ] .

وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي وهو الجزء الذي في الرأس .

واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى ، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجاً إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرْي على قواعد علم المعاني فزال الخفاء ، واندفع الجفاء ، وكلا الفريقين خيرة الحنفاء .

وضمير المخاطب في قوله : { وجه ربك } خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وفيه تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم غير مرة .

والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليذكَّروا ويعتبروا . ويجوز أن يكون خطاباً لغير معينّ ليعمّ كل مخاطب .

ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب { ذو الجلال } ، أي العظمة و { الإكرام } ، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإِكرام في عرف اللغة ، وإنما يضاف للإِكرام اليد ، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه ، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإِكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإِحسان .

وتفريع { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إنما هو تفريع على جملة { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم الذي لا تصدر عنه السفاسف ، الكريم الذي لا يقطع إنعامه ، وذلك من الآلاء العظيمة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ} (27)

" ويبقى وجه ربك " أي ويبقى الله ، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه ، قال الشاعر :

قَضَى على خلقه المَنَايَا *** فكلُّ شيءٍ سواهُ فَانِي

وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا : ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم . وقال ابن عباس : الوجه عبارة عنه كما قال : " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " وقال أبو المعالي : وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى ، وهو الذي ارتضاه شيخنا . ومن الدليل على ذلك قوله تعالى : " ويبقى وجه ربك " والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى . وقد مضى في " البقرة{[14541]} " القول في هذا عند قوله تعالى : " فأينما تولوا فثم وجه الله " [ البقرة : 115 ] وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى . قال القشيري : قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف ، يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام . والصحيح أن يقال : وجهه وجوده وذاته ، يقال : هذا وجه الأم ووجه الصواب وعين الصواب . وقيل : أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه . وقيل : وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله . " ذو الجلال " الجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح ، يقال : جل الشيء أي عظم وأجللته أي عظمته ، والجلال اسم من جل . " والإكرام " أي هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك ، كما تقول : أنا أكرمك عن هذا ، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء . وقد أتينا على هذين الاسمين لغة ومعنى في الكتاب الأسنى مستوفى . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألظوا ب ( يا ذا الجلال والإكرام ) . وروي أنه من قول ابن مسعود ، ومعناه : الزموا ذلك في الدعاء . قال أبو عبيد : الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه . ويقال : الإلظاظ الإلحاح . وعن سعيد المقبري . أن رجلا ألح فجعل يقول : اللهم يا ذا الجلال والإكرام ! اللهم يا ذا الجلال والإكرام ! فنودي : إني قد سمعت فما حاجتك ؟


[14541]:راجع جـ 2 ص 83.