وقد زيد تفظيعاً بالتشبيه في قوله : { فشاربون شرب الهيم } ، كما سيأتي ، وإعادة فعل ( شاربون ) للتأكيد وتكرير استحضار تلك الصورة الفظيعة . ومعنى { شاربون عليه } يجوز أن يكون ( على ) فيه للاستعلاء ، أي شاربون فوقه الحميم ، ويجوز مع ذلك استفادة معنى ( مع ) من حرف ( على ) تعجيباً من فظاعة حالهم ، أي يشربون هذا الماء المحرق مع ما طعموه من شجر الزقوم الموصوفة في آية أخرى بأنها { يغلي في البطون كغَلي الحميم } [ الدخان : 45 ، 46 ] فيفيد أنهم يتجرعونه ولا يستطيعون امتناعاً .
و { مِن } الداخلة على { شجر } ابتدائية ، أي آكلون أكلاً يؤخذ من شجر الزقوم ، و { من } الثانية الداخلة على { زقوم } بيانية لأن الشجر هو المسمى بالزقوم .
وتأنيث ضمير الشجر في قوله : { فمالئون منها البطون } لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتي مؤنثة غالباً .
وأما ضمير { عليه } فإنما جاء بصيغة المذكر لأنه عائد على الأكل المستفاد من قوله : { لآكلون } ، أي على ذلك الأكل بتأويل المصدر باسم المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق .
والهِيم : جمع أهيم ، وهو البعير الذي أصابه الهُيام بضم الهاء ، وهو داء يصيب الإِبل يورثها حُمى في الأمعاء فلا تزال تشرب ولا تروَى ، أي شاربون من الحميم شرباً لا ينقطع فهو مستمرة آلامه .
وقرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر { شُرب } بضم الشين اسمَ مصدر شرب ، وقرأ الباقون بفتح الشين وهو المصدر لشَرِب .
ورويت عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صححه الحاكم ، وخبر الواحد لا يزيد المتواترَ قُوة فكلتا القراءتين متواتر .
والفاء في قوله : { فشاربون عليه من الحميم } عطف على { لآكلون } لإِفادة تعقيب أكل الزقوم ب { شرب الهيم } دون فترة ولا استراحة .
وإعادة { فشاربون } توكيد لفظي لنظيره ، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ما في هذا الشرب من الأعجوبة وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم ، فيزيدهم تفظيعاً لأمعائهم لإِفادة التعجيب من حالهم تعجيباً ثانياً بعد الأول ، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب ، وشربهم له كما تَشرَب الإِبل الهِيم في الإِكثار أمر عجيب أيضاً ، فكانتا صفتين مختلفتين .
" فشاربون شرب الهيم " قراءة نافع وعاصم وحمزة " شرب " بضم الشين . الباقون بفتحها لغتان جيدتان ، تقول العرب : شربت شُرْبا وشَرْبا وشِرْبا وشُرُبا بضمتين . قال أبو زيد : سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها ، والفتح هو المصدر الصحيح ، لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله فعل ، ألا ترى أنك ترده إلى المرة الواحدة ، فتقول : فعلة نحو شربة وبالضم الاسم . وقيل : إن المفتوح والاسم مصدران ، فالشرب كالأكل ، والشرب كالذكر ، والشرب بالكسر المشروب كالطحن المطحون . والهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها ، عن ابن عباس وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم ، وقال عكرمة أيضا : هي الإبل المراض . الضحاك : الهيم الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشا شديدا ، واحدها أهيم والأنثى هيماء . ويقال لذلك الداء الهيام ، قال قيس بن الملوح :
يقال بِهِ داء الهُيَام أصابه *** وقد علمت نفسي مكان شِفَائِها
وقوم هيم أيضا أي عطاش ، وقد هاموا هياما . ومن العرب من يقول في الإبل : هائم وهائمة والجمع هيم ، قال لبيد :
أَجَزْتُ إلى مَعَارفها بشُعْثٍ{[14655]} *** وأطلاحٍ من العِيدِيِّ هِيم{[14656]}
وقال الضحاك والأخفش وابن عيينة وابن كيسان : الهيم الأرض السهلة ذات الرمل . وروي أيضا عن ابن عباس : فيشربون شرب الرمال التي لا تروى بالماء . المهدوي : ويقال لكل ما لا يروى من الإبل والرمل أهيم وهيماء . وفي الصحاح : والهيام بالضم أشد العطش . والهيام كالجنون من العشق . والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى . يقال : ناقة هيماء . والهيماء أيضا المفازة لا ماء بها . والهيام بالفتح : الرمل الذي لا يتماسك أن يسيل من اليد للينه والجمع هيم مثل قذال وقذل . والهيام بالكسر الإبل العطاش الواحد هيمان ، وناقة هيماء مثل عطشان وعطشى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.