التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (61)

ويتعلق { على أن نبدل أمثالكم } ب { مسبوقين } لأنه يقال : غلبه على كذا ، إذا حال بينه وبين نواله ، وأصله : غلبه على كذا ، أي تمكن من كذا دونه قال تعالى : { والله غالب على أمره } [ يوسف : 21 ] . ويكون الوقف على قوله : { أمثالكم } .

ويجوز أن يكون { على أن نبدل أمثالكم } في موضع الحال من ضمير { قدرنا } [ الواقعة : 60 ] ، أي قدرنا الموت على أن نحييكم فيما بعدُ إدماجاً لإِبطال قولهم : { أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون } [ الواقعة : 47 ] فتكون ( على ) بمعنى ( مع ) وتكون حالاً مقدرة ، وهذا كقول الواعظ : « على شرط النقض رُفع البنيان ، وعلى شرط الخروج دخلتْ الأرواح للأبدان » ويكون متعلق ( مسبوقين ) محذوفاً دالاً عليه المقام ، أي ما نحن بمغلوبين فيما قدّرناه من خلقكم وإماتتكم ، ويجعل الوقف على ( مسبوقين ) .

ويفيد قوله : { نحن قدرنا بينكم الموت } الخ وراء ذلك عبرة بحال الموت بعد الحياة فإن في تقلب ذيْنك الحالين عبرة وتدبراً في عظيم قدرة الله وتصرفه فيكون من هذه الجهة وزانُه وزان قوله الآتي : { لو نشاء لجعلناه حطاماً } [ الواقعة : 65 ] وقوله : { لو نشاء جعلناه أجاجاً } [ الواقعة : 70 ] وقوله : { نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين } [ الواقعة : 73 ] .

ومعنى : { أن نبدل أمثالكم } : نبدل بكم أمثالكم ، أي نجعل أمثالكم بدلاً .

وفعل ( بدّل ) ينصب مفعولاً واحداً ويتعدى إلى ما هو في معنى المفعول الثاني بحرف الباء ، وهو الغالب أو ب ( مِن ) البدلية فإن مفعول ( بدّل ) صالح لأن يكون مُبدَلاً ومبدَلا منه ، وقد تقدم في سورة البقرة ( 61 ) قوله تعالى : { أتستبدلون الذي هو أدنى } وفي سورة النساء ( 2 ) عند قوله : ولا تَتَبَدّلوا الخبيث بالطّيب ، فالتقدير هنا : على أن نبدّل منكم أمثالكم ، فحذف ، متعلق نبدل } وأبقي المفعول لأن المجرور أولى بالحذف .

والأمثال : جمع مِثْل بكسر الميم وسكون المثلثة وهو النظير ، أي نخلق ذوات مماثلة لذواتكم التي كانت في الدنيا ونودع فيها أرواحكم .

وهذا يؤذن بأن الإِعادة عن عدم لا عن تفريق . وقد تردد في تعيين ذلك علماء السنة والكلام .

ويجوز أن يفيد معنى التهديد بالاستئصال ، أي لو شئنا استئصالكم لما أعجزتمونا فيكون إدماجاً للتهديد في أثناء الاستدلال ويكون من باب قوله تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } [ إبراهيم : 19 ] .

{ وننشئكم } عطف على { نبدل } ، أي ما نحن بمغلوبين على إنشائكم .

وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئاً آخر غير تبديل أمثالهم ، أي نحن قادرون على الأمرين جميعاً ، فتبديل أمثالهم خلق أجساد أخرى تودع فيها الأرواح ، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء أمثالها من ذواتها مثل : عَجب الذنب ، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث .

ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله : { وننشئكم في ما لا تعلمون } الإِشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإِبهام .

وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة الله تعالى وحكمته بعدما أفاده قوله : { أن نبدل أمثالكم } من إثبات أن الله قادر على البعث .

و { ما } من قوله : { في ما لا تعلمون } صادقة على الكيفية ، أو الهيئة التي يتكيّف بها الإنشاء ، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علماً بخفايا الخلقة . وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث الأجساد لإيداع الأرواح .

والظرفية المستفادة من { في } ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله : { فعدلك في أي صورة ما شاء ركّبك } [ الانفطار : 7 ، 8 ] .

ومعنى { لا تعلمون } : أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (61)

" على أن نبدل أمثالكم " وقال الطبري : المعنى نحن قدرنا بينكم الموت " على أن نبدل أمثالكم " بعد موتكم بآخرين من جنسكم ، وما نحن بمسبوقين في آجالكم ، أي لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم . " وننشئكم في ما لا تعلمون " من الصور والهيئات . قال الحسن : أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم . وقيل : المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا ، فيجمل المؤمن ببياض وجهه ، ومقبح الكافر بسواد وجهه . سعيد بن جبير{[14659]} : قوله تعالى : " فيما لا تعلمون " يعني في حواصل طير سود تكون بِبَرهُوت كأنها الخطاطيف ، وبَرَهُوت واد في اليمن . وقال مجاهد : " فيما لا تعلمون " في أي خلق شئنا . وقيل : المعنى ننشئكم في عالم لا تعلمون ، وفي مكان لا تعلمون .


[14659]:في ب: "سعيد بن المسيب".