يجوز أن يكون { الذين يبخلون } ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام الذي قبله ختم بالتذييل بقوله : { والله لا يحب كل مختال فخور } [ الحديد : 23 ] فيكون { الذين يبخلون } مبتدأ وخبره محذوفاً يدل عليه جواب الشرط وهو { فإن الله هو الغني الحميد } . والتقدير : فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين .
ويجوز أن يكون متصلاً بما قبله على طريقة التخلص فيكون { الذين يبخلون } بدلاً من { كل مختال فخور } ، أو خبراً لِمبتدأ محذوف هو ضمير { كل مختال فخور } . تقديره : هم الذين يبخلون ، وعلى هذا الاحتمال الأخير فهو من حذف المسند إليه اتّباعا للاستعمال كما سماه السكاكي ، وفيه وجوه آخر لا نطوِّل بها .
والمراد ب { الذين يبخلون } : المنافقون ، وقد وصفهم الله بمثل هذه الصلة في سورة النساء ، وأمرهم الناس بالبخل هو الذي حكاه الله عنهم بقوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } [ المنافقون : 7 ] ، أي على المؤمنين .
وجملة { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } تذييل لأن { من يتولّ } يعم { الذين يبخلون } وغيرهم فإنّ { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } أي في سبيل الله وفي النفقات الواجبه قد تولوا عن أمر الله و ( مَن ) شرطية عامة .
وجملة { فإن الله هو الغني الحميد } قائمة مقام جواب الشرط لأن مضمونها علة للجواب ، فالتقدير : ومن يتولّ فلا يضر الله شيئاً ولا يضر الفقير لأن الله غني عن مال المتولّين ، ولأن له عباداً يطيعون أمره فيحمدهم .
والغنيّ : الموصوف بالغنى ، أي عدم الاحتياج . ولما لم يذكر له متعلق كان مفيداً الغنى العام .
والحميد : وصف مبالغة ، أي كثير الحمد للمنفقين على نحو قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } [ المائدة : 54 ] الآية .
ووصفه ب { الحميد } هنا نظير وصفه ب« الشكور » وفي قوله : { إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم } [ التغابن : 17 ] ، فإن اسمه { الحميد } صالح لمعنى المحمود فيكون فعيلاً بمعنى مفعول ، وصالح لمعنى كثير الحمد ، فيكون من أمثلة المبالغة لأن الله يثيب على فعل الخير ثواباً جزيلاً ويُثني على فاعله ثناء جميلاً فكان بذلك كثير الحمد . وقد حمله على كلا المعنيين ابن يَرَّجَان الأشبيلي{[411]} في « شرحه لأسماء الله الحسنى »{[412]} ووافقه كلام ابن العربي في « أحكام القرآن » في سورة الأعراف ، وهو الحق . وقصره الغزالي في « المقصد الأسنى » على معنى « المحمود » .
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر { فإن الله الغني الحميد } بدون ضمير فصل ، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام . وقرأه الباقون { فإن الله هو الغني الحميد } بضمير فصل بعد اسم الجلالة وكذلك هو مرسوم في مصاحف مكة والبصرة والكوفة ، فهما روايتان متواترتان .
والجملة مفيدة للقصر بدون ضمير فصل لأن تعريف المسند إليه والمسند من طرق القصر ، فالقراءة بضمير الفصل تفيد تأكيد القصر .
قوله تعالى : " الذين يبخلون " أي لا يحب المختالين " الذين يبخلون " ف " الذين " في موضع خفض نعتا للمختال . وقيل : رفع بابتداء أي الذين يبخلون فالله غني عنهم . قيل : أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم ، لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلهم{[14728]} ، قاله السدي والكلبي . وقال سعيد بن جبير : " الذين يبخلون " يعني بالعلم " ويأمرون الناس بالبخل " أي بألا يعلموا الناس شيئا . زيد بن اسلم : إنه البخل بأداء حق الله عز وجل . وقيل : إنه البخل بالصدقة والحقوق ، قال عامر بن عبدالله الأشعري . وقال طاوس : إنه البخل بما في يديه . وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين : أحدهما أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك . والسخي الذي يلتذ بالإعطاء . الثاني : أن البخيل الذي يعطي عند السؤال ، والسخي الذي يعطي بغير سؤال . " ومن يتول " أي عن الإيمان " فإن الله هو الغني الحميد " غني عنه . ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غني عنهم . وقراءة العامة " بالبخل " بضم الباء وسكون الخاء . وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن وحمزة والكسائي " بالبخل " بفتحتين وهي لغة الأنصار . وقرأ أبو العالية وابن السميقع " بالبخل " بفتح الباء وإسكان الخاء . وعن نصر بن عاصم " البخل " بضمتين وكلها لغات مشهورة . وقد تقدم الفرق بين البخل والشح في آخر " آل عمران{[14729]} " .
وقرأ نافع وابن عامر " فإن الله الغني الحميد " بغير " هو " . والباقون " هو الغني " على أن يكون فصلا . ويجوز أن يكون مبتدأ و " الغني " خبره والجملة خبر إن . ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلا ؛ لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.