اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (24)

قوله : { الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } . تقدم نظيره في سورة «النساء » .

قال القرطبي{[55458]} : «الذين » في موضع خفض نعتاً للمختال .

وقال ابن الخطيب{[55459]} : بدل من قوله : «كل مُخْتَال » .

وقيل : رفع بالابتداء ، فهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله .

والمعنى : الذين يبخلون فالله غني عنهم .

قيل : أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم لئلا يؤمن به النَّاس ، فتذهب مأكلتهم .

قاله السُّدي والكلبي .

فيكون «الذين » مبتدأ ، وخبره محذوف يدلّ عليه قوله تعالى : { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنيّ الحميد } .

وقال سعيد بن جبير : «الذين يَبْخَلُون » يعني بالعلم { وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } بألاَّ يعلموا الناس شيئاً{[55460]} .

وقال زيد بن أسلم : إنه البُخْل بأداء حق الله تعالى{[55461]} .

وقال عبد الله بن عامر الأشعري : هو البخل بالصدقة والحقوق{[55462]} .

وقال طاوس : وهو البُخْل بما في يديه .

فصل في قراءات البخل

«بالبخل » . قرأ العامة : «بالبُخْل » بضم الباء وسكون الخاء .

وقرأ أنس{[55463]} وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وابن محيصن وحمزة والكسائي «بالبَخَل » بفتحتين ، وهي لغة الأنصار .

وقرأ أبو العالية{[55464]} وابن السَّميفع : «بالبَخْل » بفتح الباء وإسكان الخاء .

وعن نصر بن عاصم{[55465]} : «البُخُل » - بضمتين - وكلها لغات مشهورة .

وقال قوم : الفرق بين البخل والسخاء من وجهين :

أحدهما : أن البخيل الذي لا يعطي عند السؤال ، والسَّخي الذي يلتذّ بالعطاء .

الثاني : أن البخيل الذي عند السؤال ، والسخيّ يعطي بغير سؤال .

وتقدم الفرق بين البُخْل والشُّحِّ في آخر آل عمران .

قوله : { وَمَن يَتَوَلَّ } أي : عن الإيمان { فَإِنَّ الله هُوَ الغنيّ الحميد } .

قرأ نافع{[55466]} وابن عامر : { فإن الله الغني الحميد } بإسقاط «هو » ، وهو ساقط في مصاحف «المدينة » و«الشام » ، والباقون : بإثباته ، وهو ثابت في مصاحفهم ، فقد وافق كل مصحفه{[55467]} .

قال أبو علي الفارسي{[55468]} : من أثبت «هو » يحسن أن يكون فصلاً ، ولا يحسن أن يكون ابتداء ؛ لأن الابتداء لا يسوغ حذفه .

يعني أنه رجح فصليّته بحذفه في القراءة الأخرى ، إذ لو كان مبتدأ لضعف حذفه لاسيما إذا صلح ما بعده أن يكون خبراً لما قبله .

ألا ترى أنك لو قلت : إن زيداً هو القائم يحسن حذف «هو » لصلاحية «القائم » خبراً ، وهذا كما قالوا في الصلة : إنه يحذف العائد المرفوع بالابتداء بشروط :

منها : ألاَّ يكون ما بعده صالحاً للصِّلة نحو : «جاء الذي هو في الدَّار ، وهو قائم أبوه » لعدم الدلالة .

إلا أن للمنازع أن ينازع أبا عليٍّ ويقول : لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى ، وكم من قراءتين تغاير معناهما ، كقراءتي : { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ }

[ آل عمران : 36 ] إلا أن توافق القراءتين في معنى واحد أولى ، هذا مما لا نزاع فيه{[55469]} .

ومن أثبت «هو » فعلى أن يكون فصلاً ، ويجوز أن يكون مبتدأ ، و«الغَنِيّ » خبره والجملة خبر «إن » .

قال ابن الخطيب{[55470]} : وقوله «الحميد » كأنه جواب من يقول : إذا كان الله عالماً بأنه يبخل ، فلم أعطاه المال ؟ .

فأجاب : بأنه محمود حيث فتح أبواب الرحمة{[55471]} مع تقصير العبدِ في الطاعة .


[55458]:الجامع لأحكام القرآن 17/168.
[55459]:التفسير الكبير 29/209.
[55460]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (17/168).
[55461]:ينظر: المصدر السابق.
[55462]:ينظر المصدر السابق.
[55463]:وقرأ بها الحسن ويحيى بن يعمر. ينظر: المحرر الوجيز 5/269، والقرطبي 17/168، والعنوان 186، وحجة القراءات 702، وإتحاف 2/523.
[55464]:القرطبي 17/168.
[55465]:السابق.
[55466]:ينظر: السبعة 627، والحجة 6/276، وإعراب القراءات 2/352، وحجة القراءات 702، والعنوان 186، وشرح شعلة 599، وشرح الطيبة 6/42، وإتحاف 2/523.
[55467]:ينظر: الدر المصون 6/280.
[55468]:الحجة 6/276.
[55469]:ينظر: الدر المصون 6/280.
[55470]:التفسير الكبير 29/209.
[55471]:في ب: الدين.