التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ} (45)

ومعنى { لأخذنا منه باليمين } لأخذناه بقوة ، أي دون إمهال فالباء للسببية .

واليمين : اليد اليمنى كني بها عن الاهتمام بالتمكن من المأخوذ ، لأن اليمين أقوى عملاً من الشِمال لكثرة استخدامها فنسبة التصرف إليها شهيرة .

وتقدم ذلك في مواضع منها قوله تعالى : { ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم } في سورة البقرة ( 224 ) وقوله : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } في سورة الأعراف ( 17 ) وقوله : { ولا تخطُّه بيمينك } في سورة العنكبوت ( 48 ) .

وقال أبو الغُول الطَهَوِي :

فدَت نفسي وما ملكتْ يميني *** فوارسَ صدَّقوا فيهم ظنوني

والمعنى : لأخذناه أخذاً عاجلاً فقطعنا وتينه ، وفي هذا تهويل لصورة الأخذ فلذلك لم يقتَصَرْ على نحو : لأهْلكناه .

ومنه } متعلق ب ( أخذنا ) تعلق المفعول بعامله . و ( مِن ) زائدة في الإِثبات على رأي الأخفش والكوفيين وهو الراجح . وقد بينته عند قوله تعالى : { فأخرجنا منه خَضِراً نُخرج منه حباً متراكباً ومن النخل } [ الأنعام : 99 ] ، فإن { النخل } معطوف على خَضِرا بزيادة { مِن } ولولا اعتبار الزيادة لما استقام الإِعراب إلاّ بكلفة ، وفائدة { من } الزائدة في الكلام أن أصلها التبعيض المجازي على وجه التمليح كأنه يقول : نأخذ بعضَه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ} (45)

" لأخذنا منه باليمين " أي بالقوة والقدرة ، أي لأخذناه بالقوة . و " من " صلة زائدة . وعبر عن القوة والقدرة باليمين لأن قوة كل شيء في ميامنه ، قاله القتبي . وهو معنى قول ابن عباس ومجاهد . ومنه قول الشماخ :

إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ *** تَلقَّاهَا عَرَابَةُ باليمين

أي بالقوة . عرابة اسم رجل{[15324]} من الأنصار من الأوس . وقال آخر :

ولما رأيت الشمس أشرق نورها *** تناولت منها حاجتي بيميني

وقال السدي والحكم : " باليمين " بالحق . قال :

تلقاها عَرَابَةُ باليمين

أي بالاستحقاق . وقال الحسن : لقطعنا يده اليمين . وقيل : المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف ، قاله نفطويه . وقال أبو جعفر الطبري : إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب . كما يقول السلطان لمن يريد هوانه : خذوا يديه . أي لأمرنا بالأخذ بيده وبالغنا في عقابه .


[15324]:هو عرابة بن أوس بن قيظي الأوسي الحارثي الأنصاري. من سادات المدينة الأجواد المشهورين. أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم صغيرا وتوفي بالمدينة نحو سنة ستين.