التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ} (195)

تأكيد لما تضمنته الجملة قبلها من أمر التعجيز وثبوت العجز ، لأنه إذا انتفت عن الأصنام أسباب الاستجابة تحقق عجزها عن الإجابة ، وتأكد معنى أمر التعجيز المكنى به عن عجز الأصنام وعجز عبدتها ، والاستفهام إنكاري وتقديم المسند على المسند إليه للاهتمام بانتفاء الملك الذي دلت عليه اللام كالتقديم في قول حسان :

له همم لا منتهى لكبارها

ووصف الأرجل ب { يمشون } والأيدي ب { يبطشون } والأعين ب { يبصرون } والآذان ب { يسمعون } إما لزيادة تسجيل العجز عليهم فيما يحتاج إليه الناصر ، وإما لأن بعض تلك الأصنام كانت مجعولة على صور الآدميين مثل هبل ، وذي الكفين ، وكعيب في صور الرجال ، ومثل سواع كان على صورة امرأة ، فإذا كان لأمثال أولئك صور أرجل وأيد وأعين وآذان ، فإنها عديمة العمل الذي تختص به الجوارح ، فلا يطمع طامع في نصرها ، وخص الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، لأنها آلات العلم والسعي والدفع للنصر ، ولهذا لم يذكر الألسن لما علمت من أن الاستجابة مراد بها النجدة والنصرة ، ولم يكونوا يسألون عن سبب الاستنجاد ، ولكنهم يسرعون إلى الإلتحاق بالمستنجد .

والمشي انتقال الرجلين من موضع انتقالاً متوالياً .

والبطش الأخذ باليد بقوة ، والإضرار باليد بقوة ، وقد جاء مضارعه بالكسر والضم على الغالب . وقراءة الجمهور بالكسر ، وقرأ أبو جعفر : بضم الطاء ، وهما لغتان .

و { أم } حرف بمعنى ( أو ) يختص بعطف الاستفهام ، وهي تكون مثل ( أو ) لأحد الشيئين أو الأشياء ، وللتمييز بين الأشياء ، أو الإباحة أي الجمع بينها ، فإذا وقعت بعد همزة الاستفهام المطلوب بها التعيين كانت مثل ( أو ) التي للتخيير ، كقوله تعالى { قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون } [ يونس : 59 ] أي عينوا أحدهما ، وإن وقعت بعد استفهام غير حقيقي كانت بمعنى ( أو ) التي للإباحة ، وتسمى ، حينئذ منقطعة ولذلك يقولون إنها بمعنى ( بل ) الانتقالية وعلى كل حال فهي ملازمة لمعنى الاستفهام فكلما وقعت في الكلام قُدر بعدها استفهام ، فالتقدير هنا ، بل ألهم أيد يبطشون بها ، بل ألهم أعين يبصرون بها ، بل ألهم آذان يسمعون بها .

وترتيب هذه الجوارح الأربع على حسب ما في الآية ملحوظ فيه أهميتها بحسب الغرض ، الذي هو النصر والنجدة ، فإن الرجلين تسرعان إلى الصريخ قبل التأمل ، واليدين تعملان عمل النصر وهو الطعن والضرب ، وأما الأعين والآذان فإنهما وسيلتان لذلك كله فأخرا ، وإنما قدم ذكر الأعين هنا على خلاف معتاد القرءان في تقديم السمع على البصر كما سبق في أول سورة البقرة لأن الترتيب هنا كان بطريق الترقي .

إذن من الله لرسوله بأن يتحداهم بأنهم إن استطاعوا استصرخوا أصنامهم لتتألب على الكيد للرسول عليه السلام ، والمعنى ادعوا شركاءكم لينصروكم علي فتستريحوا مني .

والكيد الإضرار الواقع في صورة عدم الإضرار ، كما تقدم عند قوله تعالى آنفاً { وأملي لهم إن كيدي متين } [ الأعراف : 183 ] .

والأمر والنهي في قوله : { كيدون فلا تنظرون } للتعجيز .

وقوله : { فلا تنظرون } تفريع على الأمر بالكيد ، أي فإذا تمكنتم من اضراري فأعجلوا ولا تؤجلوني .

وفي هذا التحدي تعريض بأنه سيبلغهم وينتصر عليهم ويستأصل آلهتهم وقد تحداهم بأتم أحوال النصر وهي الاستنصار بأقدر الموجودات في اعتقادهم ، وأن يكون الاضرار به خفياً ، وأن لا يتلوم له ولا ينتظر ، فإذا لم يتمكنوا من ذلك كان انتفاؤه أدل على عجزهم وعجز آلهتهم .

وحذفت ياء المتكلم من { كيدون } في حالتي الوقف والوصل ، في قراءة الجمهور غير أبي عمرو ، وأما { تنظرون } فقرأه الجميع : بحذف الياء إلا يعقوب أثبتها وصلاً ووقفاً ، وحذف ياء المتكلم بعد نون الوقاية جِدُّ فصيحٍ .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ} (195)

قوله تعالى : " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " حاجهم في عبادة الأصنام . " تدعون " تعبدون . وقيل : تدعونها آلهة . " من دون الله " أي من غير الله . وسميت الأوثان عبادا لأنها مملوكة لله مسخرة . الحسن : المعنى أن الأصنام مخلوقة أمثالكم . ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس فقال : " فادعوهم " ولم يقل فادعوهن . وقال : " عباد " ، وقال : " إن الذين " ولم يقل إن التي . ومعنى " فادعوهم{[7535]} " أي فاطلبوا منهم النفع والضر . " فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين " أن عبادة الأصنام تنفع . قال ابن عباس : معنى فادعوهم فاعبدوهم .

ثم وبخهم الله تعالى وسفه عقولهم فقال : " ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها " أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم . والغرض بيان جهلهم ؛ لأن المعبود يتصف بالجوارح . وقرأ سعيد بن جبير : " إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم " بتخفيف " إن " وكسرها لالتقاء الساكنين ، ونصب " عبادا " بالتنوين ، " أمثالكم " بالنصب . والمعنى : ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم ، أي هي حجارة وخشب ، فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه . قال النحاس : وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات : أحدها : أنها مخالفة للسواد . والثانية : أن سيبويه يختار الرفع في خبر إن إذا كانت بمعنى ما ، فيقول : إن زيد منطلق ؛ لأن عمل " ما " ضعيف ، و " إن " بمعناها فهي أضعف منها . والثالثة : إن الكسائي زعم أن " إن " لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى " ما " ، إلا أن يكون بعدها إيجاب ، كما قال عز وجل : " إن الكافرون إلا في غرور{[7536]} " [ الملك : 20 ] . " فليستجيبوا لكم " الأصل أن تكون اللام مكسورة ، فحذفت الكسرة لثقلها . ثم قيل : في الكلام حذف ، المعنى : فادعوهم إلى أن يتبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة . وقرأ أبو جعفر وشيبة " أم لهم أيد يبطشون بها " بضم الطاء ، وهي لغة . واليد والرجل والأذن مؤنثات يصغرن بالهاء . وتزاد في اليد ياء في التصغير ، ترد إلى أصلها فيقال : يدية بالتشديد لاجتماع الياءين .

قوله تعالى : " قل ادعوا شركاءكم " أي الأصنام . " ثم كيدون " أنتم وهي . " فلا تنظرون " أي فلا تؤخرون . والأصل " كيدوني " حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها . وكذا " فلا تنظرون " . والكيد المكر . والكيد الحرب ، يقال : غزا فلم يلق كيدا .


[7535]:من ج
[7536]:راجع ج 18 ص 218