التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (77)

الفاء للتّعقيب لِحكاية قول الذين استكبروا : { إنّا بالذي آمنتم به كافرون } [ الأعراف : 76 ] ، أي قالوا ذلك فعقروا ، والتّعقيب في كلّ شيء بحسبه ، وذلك أنّهم حينَ قالوا ذلك كانوا قد صدعوا بالتّكذيب ، وصمّموا عليه ، وعجزوا عن المحاجة والاستدلال ، فعزموا على المصير إلى النّكاية والإغاظة لصالح عليه السّلام ومن آمنَ به ، ورسموا لابتداء عملهم أن يعتدوا على النّاقة التي جعلها صالح عليه السّلام لهم ، وأقامها بينَه وبينهم علامة موادعة ما داموا غير متعرّضين لها بسوء ، ومقصدهم من نيّتهم إهلاك النّاقة أن يزيلوا آية صالح عليه السّلام لئلا يزيد عدد المؤمنِين به ، لأنّ مشاهدة آية نبوءته سالمة بينهم تثير في نفوس كثير منهم الاستدلال على صدقه والاستئناس لذلك بسكوت كبرائهم وتقريرهم لها على مرعاها وشِربها ، ولأنّ في اعتدائهم عليها إيذاناً منهم بتحفزهم للإضرار بصالح عليه السّلام وبمن آمن به بعدَ ذلك وليُرُوا صالحاً عليه السّلام أنّهم مستخفّون بوعيده إذ قال لهم : { ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم } [ الأعراف : 73 ] .

والضّمير في قوله : { فعقروا } عائد إلى { الذين استكبروا } [ الأعراف : 75 ] ، وقد أسند العقر إليهم وإن كان فاعله واحداً منهم لأنّه كان عن تمالىء ورضى من جميع الكبراء ، كما دلّ عليه قوله تعالى في سورة القمر ( 29 ) : { فَنادَوْا صاحبَهم فتعاطى فعَقر } وهذا كقول النّابغة في شأن بني حُنّ :

وهم قتلوا الطاءيّ بالجوّ عنوة *** وإنَّما قتله واحد منهم

وذُكر في الأثر : أنّ الذي تولّى عقر النّاقة رجل من سادتهم اسمه ( قُدار ) بضم القاف ودال مهملة مخففة وراء في آخره ابن سالف . وفي حديث البخاري أنّ النبي ذكر في خطبته الذي عقر الناقة فقال : انبعثَ لها رجل عزيز عَارِم منيعٌ في رهطه مثل أبي زمْعة .

والعَقْر : حقيقته الجرح البليغ ، قال امرؤ القيس :

تقول وقد مال الغبيط بِنَا معا *** عَقَرْتَ بعيري يا امرأ القيس فانزل

أي جرحتَه باحتكاك الغبيط في ظهره من مَيله إلى جهةٍ ، ويطلق العقر على قطع عضو الحيوان ، ومنه قولهم ، عَقَرَ حمارَ وحش ، أي ضربه بالرّمح فقطع منه عضواً ، وكانوا يعقرون البعير المرادَ نحرُه بقطع عضوٍ منه حتّى لا يستطيع الهروب عند النّحر ، فلذلك أطلق العقر عن النّحر على وجه الكناية قال امرؤ القيس :

ويَومَ عَقَرْتُ للعذارَى مطيَّتي

وما في هذه الآية كذلك .

والعُتوّ تجاوز الحد في الكِبْر ، وتعديته ب ( مَن ) لتضمينه معنى الإعراض .

وأمرُ ربّهم هو ما أمرهم به على لسان صالح عليه السّلام من قوله : { ولا تمسوها بسوء } [ الأعراف : 73 ] فعُبّر عن النّهي بالأمر لأنّ النّهي عن الشّيء مقصود منه الأمر بفعل ضدّه ، ولذلك يقول علماء الأصول إنّ النّهي عن الشّيء يستلزم الأمرَ بضدّه الذي يحصل به تحقّق الكفّ عن المنهي عنه .

وأرادوا : { بما تعدنا } العذاب الذي توعَّدهم به مجملاً .

وجيء بالموصول للدّلالة على أنّهم لا يخشون شيئاً ممّا يريده من الوعيد المجمل . فالمراد بما تتوعدنا به وصيغت صلة الموصول من مادة الوعد لأنه أخف من مادة الوعد .

وقد فرضوا كونَه من المرسلين بحرف ( إنْ ) الدّال على الشكّ في حصول الشّرط ، أي إن كنتَ من الرّسل عن الله فالمراد بالمرسلين من صَدق عليهم هذا اللّقب . وهؤلاء لجهلهم بحقيقة تصرّف الله تعالى وحكمته ، يحسبون أنّ تصرّفات الله كتصرّفات الخلق ، فإذا أرسل رسولاً ولم يصدّقْه المرسَل إليهم غَضِب الله واندَفع إلى إنزال العقاب إليهم ، ولا يعلمون أنّ الله يُمهل الظّالمين ثمّ يأخذهم متى شاء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ} (77)

قوله تعالى : " فعقروا الناقة " العقر الجرح . وقيل : قطع عضو يؤثر في النفس . وعقرت الفرس : إذا ضربت قوائمه بالسيف . وخيل عقرى . وعقرت ظهر الدابة : إذا أدبرته . قال امرؤ القيس :

تقول وقد مال الغبيط بنا معا *** عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

أي جرحته وأدبرته قال القشيري : العقر كشف{[7226]} عرقوب البعير ؛ ثم قيل للنحر عقر ؛ لأن العقر سبب النحر في الغالب . وقد اختلف في عاقر الناقة على أقوال . أصحها ما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زمعة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال : ( إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم{[7227]} منيع في رهطه{[7228]} مثل أبي زمعة ) وذكر الحديث . وقيل في اسمه : قدار بن سالف . وقيل : إن ملكهم كان إلى امرأة يقال لها ملكي ، فحسدت صالحا لما مال إليه الناس ، وقالت لامرأتين كان لهما خليلان يعشقانهما : لا تطيعاهما واسألاهما عقر الناقة ، ففعلتا . وخرج الرجلان وألجآ الناقة إلى مضيق ورماها أحدهما بسهم وقتلاها . وجاء السقب وهو ولدها إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها فرغا ثلاثا وانفرجت الصخرة فدخل فيها . ويقال : إنه الدابة التي تخرج في آخر الزمان على الناس ، على ما يأتي بيانه في " النمل{[7229]} " . وقال ابن إسحاق : أتبع السقب أربعة نفر ممن كان عقر الناقة ، مصدع وأخوه ذؤاب{[7230]} . فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه{[7231]} ، ثم جره برجله فألحقه بأمه ، وأكلوه معها . والأول أصح ، فإن صالحا قال لهم : إنه بقي من عمركم ثلاثة أيام ، ولهذا رغا ثلاثا . وقيل : عقرها عاقرها ومعه ثمانية رجال ، وهم الذين قال الله فيهم : " وكان في المدينة تسعة رهط{[7232]} " [ النمل : 48 ] على ما يأتي بيانه في " النمل " . وهو معنى قوله " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر{[7233]} " . [ القمر : 29 ] . وكانوا يشربون فأعوزهم الماء ليمزجوا شرابهم ، وكان يوم لبن الناقة ، فقام أحدهم وترصد الناس وقال : لأريحن الناس منها فعقرها .

قوله تعالى : " وعتوا عن أمر ربهم " أي استكبروا . عتا يعتو عتوا أي استكبر . وتعتى فلان إذا لم يطع . والليل العاتي : الشديد الظلمة ، عن الخليل .

قوله تعالى : " وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا " أي من العذاب .


[7226]:في ج وك: كسر.
[7227]:عارم: أي خبيث شرير.
[7228]:في ج: أهله.
[7229]:راجع ج 13 ص 334 وص 215.
[7230]:كذا في الأصول.
[7231]:انتظم الصيد: إذا طعنه أو رماه حتى ينفذه
[7232]:راجع ج 13 ص 334 وص 215.
[7233]:راجع ج 17 ص 140.