التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ} (7)

{ كلاّ } .

إبطال وردع لما تضمنته جملة : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } [ المطففين : 4 ] من التعجيب من فعلهم التطفيف ، والمعنى : كلا بل هم مبعوثون لذلك اليوم العظيم ولتلقي قضاء رب العالمين فهي جواب عما تقدم .

{ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجِّينٍ } .

استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر يوم القيامة . وهو تعريض بالتهديد للمطففين بأن يكون عملهم موجِباً كتْبه في كتاب الفجار .

و { الفجار } غلب على المشركين ومن عسى أن يكون متلبساً بالتطفيف بعد سماع النهي عنه من المسلمين الذي ربما كان بعضهم يفعله في الجاهلية .

والتعريف في { الفجار } للجنس مراد به الاستغراق ، أي جميع المشركين فيعم المطففين وغير المطففين ، فوصف الفجار هنا نظير ما في قوله : { أولئك هم الكفرة الفجرة } [ عبس : 42 ] .

وشمول عموم الفجار لجميع المشركين المطففين منهم وغير المطففين يُعنى به أن المطففين منهم المقصود الأول من هذا العموم ، لأن ذكر هذا الوصف والوعيد عليه عقب كلمة الردع عن أعمال المطففين قرينة على أن الوعيد موجّه إليهم .

و« الكتابُ » المكتوبُ ، أي الصحيفة وهو هنا يحتمل شيئاً تحصى فيه الأعمال ، ويحتمل أن يكون كناية عن إحصاء أعمالهم وتوقيفهم عليها ، وكذلك يَجري على الوجهين قولُه : { كتاب مرقوم } وتقدمت نظائره غير مرة .

و { سجين } حروف مادته من حروف العربية ، وصيغته من الصيغ العربية ، فهو لفظ عربي ، ومن زعم أنه معرّب فقد أغرب . روي عن الأصمعي : أن العرب استعملوا سجين عوضاً عن سلْتِين ، وسلتين كلمة غير عربية .

ونون { سجين } أصلية وليست مبدلة عن اللام ، وقد اختلف في معناه على أقوال أشهرها وأولاها أنه عَلَم لواد في جهنم ، صيغ بزنة فِعِّيل من مادة السجن للمبالغة مثل : الملك الضِّليل ، ورجل سِكّير ، وطعام حِرّيف ( شديد الحرافة وهي لذع اللسان ) سمي ذلك المكان سجيناً لأنه أشدّ الحَبْس لمن فيه فلا يفارقه وهذا الاسم من مصطلحات القرآن لا يعرف في كلام العرب من قبل ولكن مادته وصيغته موضوعتان في العربية وضعاً نوعياً . وقد سمع العرب هذا الاسم ولم يطعنوا في عربيته .

ومحمل قوله : { لفي سجين } إن كان على ظاهر الظرفية كان المعنى أن كتب أعمال الفجار مودعة في مكان اسمه { سجين } أو وصفه { سجين } وذلك يؤذن بتحقيره ، أي تحقير ما احتوى عليه من أعمالهم المكتوبة فيه ، وعلى هذا حمله كثير من المتقدمين ، وروى الطبري بسنده حديثاً مرفوعاً يؤيد ذلك لكنه حديث منكر لاشتمال سنده على مجاهيل .

وإن حُملت الظرفيةُ في قوله : { لفي سجين } على غير ظاهرها ، فجَعْل كتاب الفجّار مظروفاً في { سجين } مجاز عن جعل الأعمال المحصاة فيه في سجّين ، وذلك كناية رمزية عن كون الفجار في سجّين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ} (7)

قوله تعالى : " كلا إن كتاب الفجار لفي سجين " قال قوم من أهل العلم بالعربية : " كلا " ردع وتنبيه ، أي ليس الأم على ما هم عليه من تطفيف الكيل والميزان ، أو تكذيب بالآخرة ، فليرتدعوا عن ذلك . فهي كلمة ردع وزجر ، ثم استأنف فقال : " إن كتاب الفجار " . وقال الحسن : " كلا " بمعنى حقا . وروى ناس عن ابن عباس " كلا " قال : ألا تصدقون ، فعلى هذا : الوقف " لرب العالمين . وفي تفسير مقاتل : إن أعمال الفجار . وروى ناس عن ابن عباس قال : إن أرواح الفجار وأعمالهم " لفي سجين " . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : سجين صخرة تحت الأرض السابعة ، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها . ونحوه عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب ، قال كعب : تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس . وعن كعب أيضا قال : سجين صخرة سوداء تحت الأرض السابعة ، مكتوب فيها اسم كل شيطان ، تلقى أنفس الكفار عندها . وقال سعيد بن جبير : سجين تحت خد إبليس . يحيى بن سلام : حجر أسود تحت الأرض ، يكتب فيه أرواح الكفار . وقال عطاء الخراساني : هي الأرض السابعة السفلى ، وفيها إبليس وذريته . وعن ابن عباس قال : إن الكافر يحضره الموت ، وتحضره رسل الله ، فلا يستطيعون لبغض الله له وبغضهم إياه ، أن يؤخروه ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته ، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه ، ورفعوه إلى ملائكة العذاب ، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر ، ثم هبطوا به إلى الأرض السابعة ، وهي سجين ، وهي آخر سلطان إبليس ، فأثبتوا فيها كتابه . وعن كعب الأحبار في هذه الآية قال : إن روح الفاجر إذا قبضت يصعد بها إلى السماء ، فتأبى السماء أن تقبلها ، ثم يهبط بها إلى الأرض ، فتأبى الأرض أن تقبلها ، فتدخل في سبع أرضين ، حتى ينتهى بها إلى سجين ، وهو خد إبليس . فيخرج لها من سجين من تحت خد إبليس رَقّ ، فيرقم فيوضع تحت خد إبليس . وقال الحسن : سجين في الأرض السابعة . وقيل : هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم . قال مجاهد : المعنى عملهم تحت الأرض السابعة لا يصعد منها شيء . وقال : سجين صخرة في الأرض السابعة . وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سجين جب في جهنم وهو مفتوح ) وقال في الفلق : ( إنه جب مغطى ) . وقال أنس : هي دركة في الأرض السفلى . وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سجين أسفل الأرض السابعة ) . وقال عكرمة : ( سجين : خسار وضلال ، كقولهم لمن سقط قدره : قد زلق بالحضيض . وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج : " لفي سجين " لفي حبس وضيق شديد ، فعيل من السجين ، كما يقول : فسيق وشريب ، قال ابن مقبل :

ورُفْقَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضَاحِيةً *** ضَرْباً تواصتْ بهِ الأبطالُ سَجِينَا{[15849]}

والمعنى : كتابهم في حبس ، جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم ، أو لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان . وقيل : أصله سجيل ، فأبدلت اللام نونا . وقد تقدم ذلك . وقال زيد بن أسلم : سجين في الأرض السافلة ، وسجيل في السماء الدنيا . القشيري : سجين : موضع في السافلين ، يدفن فيه كتاب هؤلاء ، فلا يظهر بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون . وهذا دليل على خبث أعمالهم ، وتحقير الله إياها ؛ ولهذا قال في كتاب الأبرار : " يشهده المقربون " .


[15849]:الذي في التاج نقلا عن الجوهري: * ورجلة يضربون الهام عن عرض *