التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ} (20)

هذه الجملة مبيّنة لنفي الاستواء الذي في جملة { لا يستون عند الله } [ التوبة : 19 ] ومفصّلة للجهاد الذي في قوله : { كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله } [ التوبة : 19 ] بأنّه الجهاد بالأموال والأنفس ، وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين .

و ( الذين هاجروا ) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها ، الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن أسلموا ، وذلك قبل فتح مكة .

والمهاجَرة : ترك الموطن والحلولُ ببلد آخر ، وهي مشتقّة من الهجر وهو الترك ، واشتقّت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن ، والمراد بها في عرف الشرع هجرة خاصّة : وهي الهجرة من مكة إلى المدينة ، فلا تشمل هجرةَ مَن هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنّها لم تكن على نية الاستيطان بل كانت هجرة مؤقته ، وتقدّم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال .

والمفضل عليه محذوف لظهوره : أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر ، والمقصود تفضيل خصالهم .

والدرجة تقدّمت عند قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة } في سورة البقرة ( 228 ) . وقوله : { لهم درجات عند ربّهم } في أوائل الأنفال ( 4 ) . وهي في كلّ ذلك مستعارة لرفع المقدار . و{ عند الله } إشارة إلى أنّ رفعة مقدارهم رفعة رضى من الله وتفضيل بالتشريف ، لأنّ أصل ( عند ) أنّها ظرف للقرب .

وجملة { وأولئك هم الفائزون } معطوفة على { أعظم درجة } أي : أعظم وهم أصحاب الفوز . وتعريف المسند باللام مفيد للقصر ، وهو قصر ادّعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتّى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يُعَدّ كالمعدوم .

والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميزّتهم : وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ} (20)

قوله تعالى : " الذين آمنوا " في موضع رفع بالابتداء . وخبره " أعظم درجة عند الله " . و " درجة " نصب على البيان ، أي من الذين افتخروا بالسقي والعمارة . وليس للكافرين درجة عند الله حتى يقال : المؤمن أعظم درجة . والمراد أنهم قدروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسقي فخاطبهم على ما قدروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ كقوله تعالى : " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا{[7886]} " [ الفرقان : 24 ] . وقيل : " أعظم درجة " من كل ذي درجة ، أي لهم المزية والمرتبة العلية . " وأولئك هم الفائزون " بذلك .


[7886]:راجع ج 13 ص 21 فما بعد.