التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ} (14)

استئناف ابتدائي للعود من غرض التحذير ، إلى صريح الأمر بقتالهم الذي في قوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } [ التوبة : 12 ] وشأن مثل هذا العود في الكلام أن يكون باستئناف كما وقع هنا .

وجُزم { يعذبهم } وما عطف عليه في جواب الأمر . وفي جعله جواباً وجزاءً أنّ الله ضمن للمسلمين من تلك المقاتلة خمس فوائد تنحلّ إلى اثنتي عشرة إذ تشتمل كل فائدة منها على كرامة للمؤمنين وإهانة لهؤلاء المشركين وروعي في كلّ فائدة منها الغرض الأهمّ فصرح به وجعل ما عداه حاصلاً بطريق الكناية .

الفائدة الأولى تعذيب المشركين بأيدي المسلمين وهذه إهانة للمشركين وكرامة للمسلمين .

الثانية : خزي المشركين وهو يستلزم عِزّة المسلمين .

الثالثة : نصر المسلمين ، وهذه كرامة صريحة لهم وتستلزم هزيمة المشركين وهي إهانة لهم .

الرابعة : شفاء صدور فريق من المؤمنين ، وهذه صريحة في شفاء صدور طائفة من المؤمنين وهم خزاعة ، وتستلزم شفاء صدور المؤمنين كلّهم ، وتستلزم حرج صدور أعدائهم فهذه ثلاث فوائد في فائدة .

الخامسة : إذهاب غيظ قلوب فريق من المؤمنين أو المؤمنين كلّهم ، وهذه تستلزم ذهاب غيظ بقية المؤمنين الذي تحملوه من إغاظة أحلامهم وتستلزم غيظ قلوب أعدائهم ، فهذه ثلاث فوائد في فائدة .

والتعذيب تعذيب القتل والجراحة . وأسند التعذيب إلى الله وجعلت أيدي المسلمين آلة له تشريفاً للمسلمين .

والإخزاء : الإذلال ، وتقدّم في البقرة . وهو هنا الإذلال بالأسر .

والنصرُ حصول عاقبة القتال المرجوّة . وتقدّم في أول البقرة .

والشفاء : زوال المرض ومعالجة زواله . أطلق هنا استعارة لإزالة ما في النفوس من تعب الغيظ والحقد ، كما استعير ضدّه وهو المرض لما في النفوس من الخواطر الفاسدة في قوله تعالى : { في قلوبهم مرض } [ البقرة : 10 ] قال قيس بن زهير :

شَفيت النفسَ من حَمَل بننِ يَدّر *** وسيفي من حُذيفة قد شَفاني

وإضافة ال { صدور } إلى { قوم مؤمنين } دون ضمير المخاطبين يدلّ على أنّ الذين يشفي الله صدورهم بنصر المؤمنين طائفةٌ من المؤمنين المخاطبين بالقتال ، وهم أقوام كانت في قلوبهم إحن على بعض المشركين الذين آذوهم وأعانوا عليهم ، ولكنّهم كانوا محافظين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستطيعون مجازاتهم على سوء صنيعهم ، وكانوا يودّون أن يؤذَن لهم بقتالهم ، فلمّا أمر الله بنقض عهود المشركين سُرّوا بذلك وفرحوا ، فهؤلاء فريق تغاير حالته حالة الفريق المخاطبين بالتحريض على القتال والتحذيرِ من التهاون فيه . فعن مجاهد ، والسدّي أنّ القوم المؤمنين هم خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت نفوس خزاعة إحن على بني بكر بن كنانة ، الذين اعتدوا عليهم بالقتال ، وفي ذكر هذا الفريق زيادة تحريض على القتال بزيادة ذكر فوائده ، وبمقارنة حال الراغبين فيه بحال المحرضين عليه ، الملحوح عليهم الأمر بالقتال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ} (14)

قوله تعالى : " قاتلوهم " أمر . " يعذبهم الله " جوابه . وهو جزم بمعنى المجازاة . والتقدير : إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين . " ويذهب غيظ قلوبهم " دليل على أن غيظهم كان قد اشتد . وقال مجاهد : يعني خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكله عطف ، ويجوز فيه كله الرفع على القطع من الأول . ويجوز النصب على إضمار ( أن ) وهو الصرف عند الكوفيين ، كما قال :

فإن يهلك أبو قابوس يهلك *** ربيعُ الناس والشهر الحرام

ونأخذ بعده بذِنَابِ عيش *** أجبّ الظهر ليس له سَنَام{[7876]}

وإن شئت رفعت ( ونأخذ ) وإن شئت نصبته . والمراد بقوله : " ويشف صدور قوم مؤمنين " بنو خزاعة ، على ما ذكرنا عن مجاهد . فإن قريشا أعانت بني بكر عليهم ، وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم . فأنشد رجل من بني بكر هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له بعض خزاعة : لئن أعدته لأكسرن فمك ، فأعاده فكسر فاه ، وثار بينهم قتال ، فقتلوا من الخزاعيين أقواما ، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في نفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره به ، فدخل منزل ميمونة وقال : ( اسكبوا إلي ماء ) فجعل يغتسل وهو يقول : ( لا نصرت إن لم أنصر بني كعب{[7877]} ) . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجهز والخروج إلى مكة فكان الفتح .


[7876]:الذناب (بكسر الذال) : عقب كل شيء ومؤخر والأجب: الجمل المقطوع السنام. والبيتان للنابغة الذبياني. وصف مرض النعمان بن المنذر، وأنه إن هلك صار الناس بعده في أسوأ حال وأضيق عيش وتمسكوا منه بمثل ذنب بعير أجب. وفي البيت شاهد آخر. راجع خزانة الأدب للبغدادي في الشاهد السادس والخمسين بعد السبعمائة وشواهد سيبويه ج 1 ص 100 طبع بولاق.
[7877]:بنو كعب في خزاعة وهم قوم عمرو