التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ} (90)

التشبيه الذي أفاده الكاف تشبيه بالذي أنزل على المقتسمين .

و ( ما ) موصولة أو مصدرية ، وهي المشبه به .

وأما المشبه فيجوز أن يكون الإيتاءَ المأخوذ من فعل { آتيناك سبعاً من المثاني } [ سورة الحجر : 87 ] ، أي إيتاء كالذي أنزلنا أو كإنزالنا على المقتسمين . شُبّه إيتاء بعض القرآن للنبيء بما أنزل عليه في شأن المقتسمين ، أي أنزلناه على رسل المقتسمين بحسب التفسيرين الآتيين في معنى { المقتسمين } .

ويجوز أن يكون المشبّهُ الإنذارَ المأخوذَ من قوله تعالى : { إني أنا النذير المبين } [ سورة الحجر : 89 ] ، أي الإنذار بالعقاب من قوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } [ سورة الحجر : 92 93 ] .

وأسلوب الكلام على هذين الوجهين أسلوب تخلّص من تسلية النبي إلى وعيد المشركين الطاعنين في القرآن بأنهم سيحاسبون على مطاعنهم .

وهو إما وعيد صريح إن أريد بالمقتسمين نفسُ المراد من الضميرين في قوله تعالى : { أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم } [ سورة الحجر : 88 ] .

وحرف { على } هنا بمعنى لام التّعليل كما في قوله تعالى : { ولتكبروا الله على ما هداكم } [ سورة البقرة : 185 ] وقوله : { فكلوا مما أمسكن عليكم } [ سورة المائدة : 4 ] ، وقول علقمة بن شيبان من بني تيم الله بن ثعلبة :

ونطاعن الأعداء عن أبنائنا *** وعلى بصائرنا وإن لم نُبصر

ولفظ { المقتسمين } افتعال من قَسم إذا جَعل شيئاً أقساماً . وصيغة الافتعال هنا تقتضي تكلف الفعل .

والمقتسمون يجوز أن يراد بهم جمع من المشركين من قريش وهم ستّة عشر رجلاً ، سنذكر أسماءهم ، فيكون المراد بالقرآن مسمى هذا الاسم العَلَم ، وهو كتاب الإسلام .

ويجوز أن يراد بهم طوائف أهل الكتاب قَسّموا كتابهم أقساماً ، منها ما أظهروه ومنها ما أنسوه ، فيكون القرآن مصدراً أطلق بمعناه اللغوي ، أي المقروء من كتبهم ؛ أو قسّموا كتاب الإسلام ، منه ما صدّقوا به وهو ما وافق دينهم ، ومنه ما كذّبوا به وهو ما خالف ما هم عليه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ} (90)

85

( وقل : إني أنا النذير المبين ) . . تلك القولة التي قالها كل رسول لقومه ؛ ومنهم بقايا الأقوام التي جاءها أولئك الرسل بتلك النذارة البينة التي جئت بها قومك . . وكان منهم في الجزيرة العربية اليهود والنصارى . . ولكن هذه البقايا لم تكن تتلقى هذا القرآن بالتسليم الكامل ، إنما كانت تقبل بعضه وترفض بعضه ، وفق الهوى ووفق التعصب وهؤلاء هم الذين يسميهم الله هنا : ( المقتسمين ، الذين جعلوا القرآن عضين ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ} (90)

في الكلام حذف ، أي إني أنا النذير المبين عذابا ، فحذف المفعول ؛ إذ كان الإنذار يدل عليه ، كما قال في موضع آخر : " أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " {[9755]} [ فصلت : 13 ] . وقيل : الكاف زائدة ، أي أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين ، كقوله : " ليس كمثله شيء{[9756]} " [ الشورى : 11 ] وقيل : أنذرتكم مثل ما أنزلنا بالمقتسمين . وقيل : المعنى كما أنزلنا على المقتسمين ، أي من العذاب وكفيناك المستهزئين ، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين الذين بغوا ، فإنا كفيناك أولئك الرؤساء الذين كنت تلقى منهم ما تلقى .

واختلف في " المقتسمين " على أقوال سبعة : الأول : قال مقاتل والفراء : هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا أعقاب{[9757]} مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها : لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة ، فإنه مجنون ، وربما قالوا ساحر ، وربما قالوا شاعر ، وربما قالوا كاهن . وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق ، فأماتهم الله شر ميتة ، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد ، فإذا سألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صدق أولئك .

الثاني : قال قتادة : هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعرا ، وبعضه سحرا ، وبعضه كهانة ، وبعضه أساطير الأولين . الثالث : قال ابن عباس : ( هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ) . وكذلك قال عكرمة : هم أهل الكتاب ، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين ، فيقول بعضهم : هذه السورة لي وهذه السورة لك . وهو القول الرابع . الخامس : قال قتادة : قسموا كتابهم ففرقوه وبددوه وحرفوه . السادس : قال زيد بن أسلم : المراد قوم صالح ، تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين ، كما قال تعالى : " تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله{[9758]} " [ النمل : 49 ] .

السابع : قال الأخفش : هم قوم اقتسموا أيمانا تحالفوا عليها . وقيل : إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج ، ذكره الماوردي .


[9755]:راجع ج 15 ص 346.
[9756]:راجع ج 16 ص 7.
[9757]:الأعقاب ما بعد مكة من الطرق يفد منها الناس، والأنقاب: منافذ الجبال، والفجاج: الطرق الواسعة.
[9758]:راجع ج 13 ص 216.