التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا} (93)

المعنى في هذه الآية : وما يجوز أن يتّخذ الرحمان ولداً ، بناء على أن المستحيل لو طلب حصوله لما تأتّى لأنه مستحيل لا تتعلّق به القدرة ، لا لأنّ الله عاجز عنه ، ونحوُ قوله : { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } [ الفرقان : 18 ] يفيد معنى : لا يستقيم لنا ، أو لا يُخوّل لنا أن نتخذ أولياء غيرك ، ونحو قوله : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } [ يس : 40 ] يفيد معنى لا تسْتطيع . ونحو { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } [ يس : 69 ] يفيد معنى : أنه لا يليق به ، ونحو : { وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي } [ ص : 35 ] يفيد معنى : لا يستجاب طلبه لطالبه إن طلبه ، وفرقٌ بين قولك : ينبغي لك أن لا تفعل هذا ، وبين لا ينبغي لك أن تفعل كذا ، أي ما يجوز لِجلال الله أن يتخذ ولداً لأنّ جميع الموجودات غيرَ ذاته تعالى يجب أن تكون مستوية في المخلوقية له والعبودية له . وذلك ينافي البُنوة لأن بُنوة الإله جزء من الإلهية ، وهو أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى : { قل إن كان للرّحمان ولد فأنا أول العابدين } [ الزخرف : 81 ] ، أي لو كان له ولد لعبدتُه قبلكم .

ومعنى { آتي الرحمان عبداً } : الإتيان المجازي ، وهو الإقرار والاعتراف ، مثل : باء بكذا ، أصله رجع ، واستعمل بمعنى اعترَف .

و { عبداً } حال ، أي معترف لله بالإلهية غير مستقل عنه في شيء في حال كونه عبداً .

ويجوز جعل { آتي الرحمان } بمعنى صائر إليه بعد الموت ، ويكون المعنى أنّه يحيا عبداً ويحشر عبداً بحيث لا تشوبه نسبة البنوة في الدنيا ولا في الآخرة .

وتكرير اسم { الرّحمان } في هذه الآية أربع مرات إيماء إلى أن وصف الرحمان الثابت لله ، والذي لا ينكر المشركون ثبوت حقيقته لله وإن أنكروا لفظه ، ينافي ادعاء الولد له لأنّ الرحمان وصف يدلّ على عموم الرّحمة وتكثرها . ومعنى ذلك : أنّها شاملة لكل موجود ، فذلك يقتضي أن كل موجود مفتقر إلى رحمة الله تعالى ، ولا يتقوم ذلك إلا بتحقق العبودية فيه . لأنه لو كان بعض الموجودات ابناً لله تعالى لاستغنى عن رحمته لأنه يكون بالبنوة مساوياً له في الإلهية المقتضية الغنى المطلقَ ، ولأن اتخاذ الابن يتطلّبُ به متخذُه برّ الابن به ورحمته له ، وذلك ينافي كون الله مفيض كلّ رحمة .

فذكر هذا الوصف عند قوله : { وقالوا اتخذ الرحمان ولداً } وقوله { أن دعوا للرحمان ولداً } تسجيل لغباوتهم .

وذكره عند قوله : { وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً } إيماء إلى دليل عدم لياقة اتخاذ الابن بالله .

وذكرُه عند قوله : { إلا آتي الرحمان عبداً } استدلال على احتياج جميع الموجودات إليه وإقرارها له بملكه إياها .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا} (93)

وفي وسط الغضبة الكونية يصدر البيان الرهيب :

إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا . لقد أحصاهم وعدهم عدا . وكلهم آتيه يوم القيامة فردا .

إن كل من في السماوات والأرض إلا عبد يأتي معبوده خاضعا طائعا ، فلا ولد ولا شريك ، إنما خلق وعبيد .

وإن الكيان البشري ليرتجف وهو يتصور مدلول هذا البيان . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا} (93)

" إن كل من في السماوات والأرض " " إن " نافية بمعنى ما ، أي ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له بالعبودية خاضعا ذليلا ، كما قال " و كل أتوه داخرين " {[10978]} [ النمل : 87 ] أي صاغرين أذلاء أي : الخلق كلهم عبيده ، فكيف يكون واحد منهم ولدا له عز وجل ، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا و " آتي " بالياء في الخط ، والأصل التنوين فحذف استخفافا وأضيف .

الثانية-وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد خلافا لمن قال : إنه يشتريه فيملكه ، ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه ، وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك ، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه ، ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل ، فنفى أحدهما وأثبت الآخر ، ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها ، وفي الحديث الصحيح :لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه . أخرجه مسلم ، فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه ، فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه .

الثالثة-ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قول عليه الصلاة والسلام ( من أعتق شركا له في عبد ) أن المراد به ذكور العبيد{[10979]} دون إناثهم ، فلا يكمل على من أعتق شركا في أنثى ، وهو على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم ، فإنهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى ؛ لأن لفظ العبد يراد به الجنس ، كما قال تعالى " إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا " فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبد قطعا ، وتمسك إسحاق بأنه حكى : عبدة في المؤنث .

الرابعة-روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تبارك وتعالى : كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد ) وقد تقدم في " البقرة " {[10980]} وغيرها ، وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جدا .


[10978]:راجع جـ 13 ص 239 فما بعد.
[10979]:كذا في جـ وفي أ وحـ: العبد.
[10980]:تقدم الحديث في جـ 2 ص 58 بلفظ آخر.