الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا} (93)

" إن كل من في السماوات والأرض " " إن " نافية بمعنى ما ، أي ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له بالعبودية خاضعا ذليلا ، كما قال " و كل أتوه داخرين " {[10978]} [ النمل : 87 ] أي صاغرين أذلاء أي : الخلق كلهم عبيده ، فكيف يكون واحد منهم ولدا له عز وجل ، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا و " آتي " بالياء في الخط ، والأصل التنوين فحذف استخفافا وأضيف .

الثانية-وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد خلافا لمن قال : إنه يشتريه فيملكه ، ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه ، وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك ، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه ، ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل ، فنفى أحدهما وأثبت الآخر ، ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها ، وفي الحديث الصحيح :لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه . أخرجه مسلم ، فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه ، فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه .

الثالثة-ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قول عليه الصلاة والسلام ( من أعتق شركا له في عبد ) أن المراد به ذكور العبيد{[10979]} دون إناثهم ، فلا يكمل على من أعتق شركا في أنثى ، وهو على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم ، فإنهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى ؛ لأن لفظ العبد يراد به الجنس ، كما قال تعالى " إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا " فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبد قطعا ، وتمسك إسحاق بأنه حكى : عبدة في المؤنث .

الرابعة-روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تبارك وتعالى : كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد ) وقد تقدم في " البقرة " {[10980]} وغيرها ، وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جدا .


[10978]:راجع جـ 13 ص 239 فما بعد.
[10979]:كذا في جـ وفي أ وحـ: العبد.
[10980]:تقدم الحديث في جـ 2 ص 58 بلفظ آخر.