بعد أن سُلِّيَ الرسول صلى الله عليه وسلم على استهزائهم بالوعيد أُمر أن يذكرهم بأن غرورهم بالإمهال من قِبل الله رحمة منه بهم كشأنه في الرحمة بمخلوقاته بأنهم إذا نزل بهم عذابه لا يجدون حافظاً لهم من العذاب غيره ولا تمنعهم منه آلهتهم .
والاستفهام إنكار وتقريع ، أي لا يكلؤُهم منه أحد فكيف تجهلون ذلك ، تنبيهاً لهم إذ نسوا نعمه .
وذكر الليل والنهار لاستيعاب الأزمنة كأنه قيل : من يكلؤكم في جميع الأوقات .
وقدم الليل لأنه زمن المخاوف لأن الظلام يُعين أسباب الضر على الوصول إلى مبتغاها من إنسان وحيوان وعلل الأجسام .
ومعنى { من الرحمان } من بأسه وعذابه .
وجيء بعد هذا التفريع بإضرابات ثلاثة انتقالية على سبيل التدريج الذي هو شأن الإضراب .
فالإضراب الأول قوله تعالى : { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ، وهو ارتقاء من التقريع المجعول للإصلاح إلى التأييس من صلاحهم بأنهم عن ذكر ربهم معرضون فلا يُرجَى منهم الانتفاع بالقوارع ، أي أخِّرْ السؤال والتقريع واتركهم حتى إذا تورّطوا في العذاب عرفوا أن لا كالىء لهم .
أم إن لهم من يرعاهم بالليل والنهار غير الرحمن ، ويمنعهم من العذاب في الدنيا أو الآخرة من دون الله ?
( قل : من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ? بل هم عن ذكر ربهم معرضون . أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ? لا يستطيعون نصر أنفسهم ، ولا هم منا يصحبون ) .
إن الله هو الحارس على كل نفس بالليل والنهار . وصفته هي الرحمة الكبرى ، وليس من دونه راع ولا حام . فاسألهم : هل لهم حارس سواه ?
وهو سؤال للإنكار ، وللتوبيخ على غفلتهم عن ذكر الله ، وهو الذي يكلؤهم بالليل والنهار ، ولا راعي لهم سواه : ( بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) .
قوله تعالى : " قل من يكلؤكم " أي يحرسكم ويحفظكم . والكلاءة الحراسة والحفظ ، كلاه الله كلاء ( بالكسر ) أي حفظه وحرسه . يقال : اذهب في كلاءة الله ، واكتلأت منهم أي احترست ، قال الشاعر هو ابن هرمة :
إن سليمى والله يكلؤُها *** ضنَّت بشيء ما كان يَرْزَؤُهَا
وقال آخر{[11268]} :
أَنَخْتُ بعيري واكتلأتُ بِعَيْنِهِ
وحكى الكسائي والفراء " قل من يكْلَوكم " بفتح اللام وإسكان الواو . وحكيا " من يكلاكم " على تخفيف الهمزة في الوجهين ، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة . فأما " يكلاكم " فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس : أحدهما : أن بدل الهمزة . يكون في الشعر . والثاني : أنهما يقولان في الماضي كليته ، فينقلب المعنى ؛ لأن كليته أوجعت كليته ، ومن قال لرجل : كلاك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كليته . ثم قيل : مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي . وتقديره : قل لا حافظ لكم " بالليل " إذا نمتم " والنهار " إذا قمتم وتصرفتم في أموركم . " من الرحمن " أي من عذابه وبأسه ، كقوله تعالى : " فمن ينصرني من الله " {[11269]} [ هود : 63 ] أي من عذاب الله . والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع ، أي إذا أقررتم بأنه الخالق ، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه . " بل هم عن ذكر ربهم " أي عن القرآن . وقيل : عن مواعظ ربهم وقيل : عن معرفته . " معرضون " لاهون غافلون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.