التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (56)

جعل الله منكري البعث هدفاً لسهام التغليظ والافتضاح في وقت النشور ، فلما سمع المؤمنون الذين أوتوا علم القرآن وأشرقت عقولهم في الحياة الدنيا بالعقائد الصحيحة وآثار الحكمة لم يتمالكوا أن لا يردوا عليهم غلطهم رداً يكون عليهم حسرات أن لا يكونوا قبلوا دعوة الحق كما قبلها المؤمنون . وهذه الجملة معترضة . وعطف الإيمان على العلم للاهتمام به لأن العلم بدون إيمان لا يرشد إلى العقائد الحق التي بها الفوز في الحياة الآخرة . والمعنى : وقال لهم المؤمنون إنكاراً عليهم وتحسيراً لهم .

والظاهر أن المؤمنين يسمعون تَحَاجَّ المشركين بعضهم مع بعض فيبادرون بالإنكار عليهم لأن تغيير المنكر سجيتهم التي كانوا عليها . وفي هذا أدب إسلامي وهو أن الذي يسمع الخطأ في الدين والإيمان لا يقره ولو لم يكن هو المخاطَب به .

وقولهم : { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } صرف لهم عن تلك المعذرة كأنهم يقولون : دَعُوا عنكم هذا فلا جدوى فيه واشتغِلوا بالمقصود وما وُعدتم به من العذاب يوم البعث . وفعل { لَبِثْتُم } مستعمل في حقيقته ، أي مكثْتم ، أي استقررتم في القبور ، والخبر مستعمل في التحزين والترويع باعتبار ما يرد بعده من الإفصاح عن حضور وقت عذابهم . و { في } من قوله { فِي كِتَاب الله } للتعليل ، أي لبثتم إلى هذا اليوم ولم يعذبوا من قبل لأجل ما جاء في كتاب الله من تهديدهم بهذا اليوم مثل قوله تعالى : { ومِنْ وَرَائهم بَرْزَخ إلى يَوْم يُبْعَثُون } [ المؤمنون : 100 ] ، أي : لقد بلغكم ذلك وسمعتموه فكان الشأن أن تؤمنوا به ولا تعتذروا بقولكم مَا لَبِثْنا غيرَ سَاعة .

والفاء في { فهذا يوم البعث } فاء الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر ، وتفيد معنى المفاجأة كما تقدم عند قوله تعالى : { فَقَدْ كَذَّبُّوكم بِمَا تَقُولون } في سورة الفرقان ( 19 ) ، أي إذا كان كذلك فهذا يوم البعث كالفاء في قول عباس بن الأحنف :

قالوا خراسانُ أقصى ما يُراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا

وهذا توبيخ لهم وتهديد وتعجيل لإساءتهم بما يترقبهم من العذاب . والاقتصار على { فهذا يوم البعث } ليتوقعوا كل سوء وعذاب .

والاستدراك في { ولكنكم كنتم لا تعلمون } استدراك على ما تضمنته جملة { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } أي لقد بلغكم ذلك وكان الشأن أن تستعدوا له ولكنكم كنتم لا تعلمون ، أي : لا تتصدون للعلم بما فيه النفع بل كان دأبكم الإعراض عن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم .

وفي التعبير بنفي العلم وقصدِ نفي الاهتمام به والعناية بتلقيه إشارة إلى أن التصدي للتعلّم وسيلة لحصوله .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (56)

33

( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان : لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث . فهذا يوم البعث . ولكنكم كنتم لا تعلمون ) . .

وأولو العلم هؤلاء هم في الغالب المؤمنون ، الذين آمنوا بالساعة ، وأدركوا ما وراء ظاهر الحياة الدنيا ، فهم أهل العلم الصحيح وأهل الإيمان البصير . وهم يردون الأمر هنا إلى تقدير الله وعلمه ( لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ) . . فهذا هو الأجل المقدور ، ولا يهم طويلا كان أم كان قصيرا . فقد كان ذلك هو الموعد ، وقد تحقق :

( فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (56)

قوله تعالى : " وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث " اختلف في الذين أوتوا العلم ، فقيل الملائكة . وقيل الأنبياء . وقيل علماء الأمم . وقيل مؤمنو هذه الأمة . وقيل جميع المؤمنين ، أي يقول المؤمنون للكفار ردا عليهم لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث . والفاء في قوله : " فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون " جواب لشرط محذوف دل عليه الكلام ، مجازه : إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث . وحكى يعقوب عن بعض القراء وهي قراءة الحسن : " إلى يوم البعث " بالتحريك ، وهذا مما فيه حرف من حروف الحلق . وقيل : معنى " في كتاب الله " في حكم الله . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يوم البعث ، قاله مقاتل وقتادة والسدي . القشيري : وعلى هذا " أوتوا العلم " بمعنى كتاب الله . وقيل : الذين حكم لهم في الكتاب بالعلم " فهذا يوم البعث " أي اليوم الذي كنتم تنكرونه .