التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ} (24)

عطف على جملة { يتنازعون فيها كأساً } [ الطور : 23 ] فهو من تمامه وواقع موقع الحال مثله ، وجيء به في صيغة المضارع للدلالة على التجدد والتكرر ، أي ذلك لا ينقطع بخلاف لذات الدنيا فإنها لا بد لها من الانقطاع بنِهايات تنتهي إليها فتُكرَّه لأصحابها الزيادةُ منها مثللِ الغَوْل ، والإِطباق ، ووجع الأمعاء في شرب الخمر ومثل الشبع في تناول الطعام وغير ذلك من كل ما يورث العجز عن الازدياد عن اللذة ويجعل الازدياد ألماً .

ولم يستثن من ذلك إلا لذات المعارف ولذات المناظر الحسنة والجمال .

ولما أشعر فعل { يطوف } بأن الغلمان يناولونهم ما فيه لذاتهم كان مشعراً بتجدد المناولة وتجدد الطواف وقد صار كل ذلك لذة لا سآمة منها .

والطواف : مشي متكرر ذهاباً ورجوعاً وأكثر ما يكون على استدارة ، ومنه طواف الكعبة ، وأهل الجاهلية بالأصنام ولأجله سمي الصنم دواراً لأنهم يدورون به . وسمي مشي الغلماء بينهم طوافاً لأن شأن مجالس الأحبة والأصدقاء أن تكون حلقاً ودوائر ليستووا في مرآهم كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الصافات ( 44 ) { على سرر متقابلين } ومنه جعلت مجالس الدروس حلقاً وكانت مجالس النبي صلى الله عليه وسلم حلقاً . وقد أطلق على مناولة الخمر إدارة فقيل : أدارت الحارثة الخمر ، وهذا الذي يناول الخمر المدير .

وترك ذكر متعلق { يطوف } لظهوره من قوله : { يتنازعون فيها كأساً } وقوله : { وأمددناهم بفاكهة } [ الطور : 22 ] ودل عليه قوله تعالى : { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } [ الزخرف : 71 ] وقوله : { يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين } [ الصافات : 45 ، 46 ] فلما تقدم ذكر ما شأنه أن يطاف به هنا ترك ذكره بعد فعل { يطاف } بخلاف ما في الآيتين الأخريين .

والغلمان : جمع غلام ، وحقيقته من كان في سنّ يقارب البلوغ أو يبلغه ، ويطلق على الخادم لأنهم كانوا أكثر ما يتخذون خَدمهم من الصغار لعدم الكلفة في حركاتهم وعدم استثقال تكليفهم ، وأكثر ما يكونون من العبيد ومثله إطلاق الوليدة على الأمة الفتية كأنها قريبة عهد بولادة أمها .

فمعنى قوله : { غلمان لهم } : خدمة لهم . وعبر عنهم بالتنكير وتعليق لام الملك بضمير { الذين آمنوا } دون الإِضافة التي هي على تقدير اللام لما في الإِضافة من معنى تعريف المضاف بالانتساب إلى المضاف إليه عند السامع من قَبل . وليس هؤلاء الغلمان بمملوكين للمؤمنين ولكنهم مخلوقون لخدمتهم خلقهم الله لأجلهم في الجنة قال تعالى : { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } [ الإنسان : 19 ] وهذا على نحو قوله تعالى : { بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد } [ الإسراء : 5 ] أي صنف من عبادنا غير معروفين للناس .

وشبهوا باللؤلؤ المكنون في حسن المرأى . واللؤلؤ : الدُرّ . والمكنون : المخزون لنفاسته على أربابه فلا يتحلى به إلا في المحافل والمواكب فلذلك يبقى على لمعانه وبياضه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ} (24)

في حين يقوم على خدمتهم ويطوف بالكأس عليهم غلمان صباح أبرياء ، فيهم نظافة ، وفيهم صيانة ، وفيهم نداوة : ( كأنهم لؤلؤ مكنون )مما يضاعف إيناس المجلس اللطيف في الجوارح والقلوب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ} (24)

قوله تعالى : " ويطوف عليهم غلمان لهم " أي بالفواكه والتحف والطعام والشراب ؛ ودليله : " يطاف عليهم بصحاف من ذهب{[14304]} " [ الزخرف : 71 ] ، " يطاف عليهم بكأس من معين{[14305]} " [ الصافات : 45 ] . ثم قيل : هم الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم ، فأقر الله تعالى بهم أعينهم . وقيل : إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم . وقيل : هم غلمان خلقوا في الجنة . قال الكلبي : لا يكبرون أبدا " كأنهم " في الحسن والبياض " لؤلؤ مكنون " في الصدف ، والمكنون المصون . وقوله تعالى : " يطوف عليهم ولدان مخلدون{[14306]} " [ الواقعة : 17 ] . قيل : هم أولاد المشركين وهم خدم أهل الجنة . وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة ، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية النعيم . وعن عائشة رضي الله عنها : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف كلهم لبيك لبيك ) . وعن عبدالله بن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام كل غلام على عمل ليس عليه صاحبه ) . وعن الحسن أنهم قالوا : يا رسول الله إذا كان الخادم كاللؤلؤ فكيف يكون المخدوم ؟ فقال : ( ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب ) . قال الكسائي : كننت الشيء سترته وصنته من الشمس ، وأكننته في نفسي أسررته . وقال أبو زيد : كننته وأكننته بمعنى في الكن وفي النفس جميعا ، تقول : كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومكن . وكننت الجارية وأكننتها{[14307]} فهي مكنونة ومكنة .


[14304]:راجع جـ 16 ص 111.
[14305]:راجع جـ 15 ص 77.
[14306]:راجع ص 202 من هذا الجزء.
[14307]:هذه الكلمة ساقطة من ل.