التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ} (19)

وجملة { إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً } الخ بيان للإجمال الذي في قوله : { فكيف كان عذابي ونذر } . وهو في صورة جواب للاستفهام الصوري . وكلتا الجملتين يفيد تعريضاً بتهديد المشركين بعذاب على تكذيبهم .

وجملة البيان إنما اتصف حال العذاب دون حال الإِنذار ، أو حال رسولهم وهو اكتفاء لأن التكذيب يتضمن مجيء نذير إليهم وفي مفعول { كذبت } المحذوف إشعار برسولهم الذي كذبوه وبعث الرسول وتكذيبهم إياه بتضمن الإِنذار لأنهم لما كذبوه حق عليه إنذارهم .

وتعدية إرسال الريح إلى ضميرهم هي كإسناد التكذيب إليهم بناء على الغالب وقد أنجى الله هوداً والذين معه كما علمت آنفاً أو هو عائد إلى المكذبين بقرينة قوله : { كذبت عاد } .

والصرصر : الشديدة القوية يكون لها صوت ، وتقدم في سورة فصّلت .

وأريد ب { يوم نحس } أول أيام الريح التي أرسلت على عاد إذ كانت سبعة أيام إلا يوماً كما في قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات } في سورة فصّلت ( 16 ) وقوله : { سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً } في سورة الحاقة ( 7 ) .

والنحْس : سوء الحال .

وإضافة يوم } إلى { نحس } من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه كقولهم يوم تحلاق اللمم ، ويوم فتح مكة . وإنما يضاف اليوم إلى النحس باعتبار المنحوس ، فهو يوم نحس للمعذبين يوم نصر للمؤمنين ومصائب قوم عند قوم فوائد . . وليس في الأيام يوم يوصف بنحس أو بسعد لأن كل يوم تحدث فيه نحوس لقوم وسعود لآخرين ، وما يروى من أخبار في تعيين بعض أيام السنة للنحس هو من أغلاط القصاصين فلا يلقي المسلم الحق إليها سمعه .

واشتهر بين كثير من المسلمين التشاؤم بيوم الأربعاء . وأصل ذلك انجرّ لهم من عقائد مجوس الفرس ، ويسمون الأربعاء التي في آخر الشهر « الأربعاء التي لا تدور » ، أي لا تعود ، أرادوا بهذا الوصف ضبط معنى كونها آخر الشهر لئلا يظن أنه جميع النصف الأخير منه وإلاّ فأيّة مناسبة بين عدم الدوران وبين الشؤم ، وما من يوم إلاّ وهو يقع في الأسبوع الأخير من الشهر ولا يدور في ذلك الشهر .

ومن شعر بعض المولدين من الخراسانيين :

لقاؤك للمبكِّر فَألُ سوء *** ووجهك أربعاءُ لا تدور

وانظر ما تقدم في سورة فصّلت .

و { مستمر } : صفة { نحس } ، أي نحس دائم عليهم فعُلِم من الاستمرار أنه أبادهم إذ لو نجوا لما كان النحس مستمراً . وليس { مستمر } صفة ل { يوم } إذ لا معنى لوصفه بالاستمرار .

والكلام في اشتقاق مستمر تقدم آنفاً عند قوله تعالى : { ويقولوا سحر مستمر } [ القمر : 2 ] .

ويجوز أن يكون مشتقاً من مرّ الشيء قاصراً ، إذا كان مُرّاً ، والمرارة مستعارة للكراهية والنفرة فهو وصف كاشف لأن النحس مكروه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ} (19)

ثم يجيب . .

كان كما يصفه ذلك الوصف الخاطف الرعيب :

( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر . تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ) . . والريح الصرصر : الباردة العنيفة . وجرس اللفظ يصور نوع الريح . والنحس : الشؤم . وأي نحس يصيب قوما أشد مما أصاب عاد . والريح تنزعهم وتجذبهم وتحطمهم . فتدعهم كأنهم أعجاز نخل مهشمة مقلوعة من قعورها ? !

والمشهد مفزع مخيف ، وعاصف عنيف . والريح التي أرسلت على عاد " هي من جند الله " وهي قوة من قوى هذا الكون ، من خلق الله ، تسير وفق الناموس الكوني الذي اختاره ؛ وهو يسلطها على من يشاء ، بينما هي ماضية في طريقها مع ذلك الناموس ، بلا تعارض بين خط سيرها الكوني ، وأدائها لما تؤمر به وفق مشيئة الله . صاحب الأمر وصاحب الناموس :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ} (19)

" إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا " أي شديدة البرد ، قاله قتادة والضحاك . وقيل : شديدة الصوت . وقد مضى في " حم السجدة{[14469]} " . " في يوم نحس مستمر " أي في يوم كان مشؤوما عليهم . وقال ابن عباس : أي في يوم كانوا يتشاءمون به . الزجاج : قيل في يوم أربعاء . ابن عباس : كان آخر أربعاء في الشهر أفنى صغيرهم وكبيرهم . وقرأ هارون الأعور " نحس " بكسر الحاء وقد مضى القول فيه في فصلت " في أيام نحسات " [ فصلت : 16 ] . و " في يوم نحس مستمر " أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه ، واستمر عليهم فيه العذاب إلى الهلاك . وقيل : استمر بهم إلى نار جهنم . وقال الضحاك : كان مرا عليهم . وكذا حكى الكسائي أن قوما قالوا هو من المرارة ، يقال : مر الشيء وأمر أي كان كالشيء المر تكرهه النفوس . وقد قال : فذوقوا " والذي يذاق قد يكون مرا . وقد قيل : هو من المرة بمعنى القوة . أي في يوم نحس مستمر مستحكم الشؤم كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه . فإن قيل : فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء ؟ وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استجيب له فيه فيما بين الظهر والعصر . وقد مضى في " البقرة{[14470]} " حديث جابر بذلك . فالجواب - والله أعلم - ما جاء في خبر يرويه مسروق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد ، وقال يوم الأربعاء يوم نحس مستمر ، ومعلوم أنه لم يرد بذلك أنه نحس على الصالحين{[14471]} ، بل أراد أنه نحس على الفجار والمفسدين ، كما كانت الأيام النّحسات المذكورة في القران ، نحسات على الكفار من قوم عاد لا على نبيهم والمؤمنين به منهم ، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أول يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس ، فإذا أدبر النهار ولم يحدث رجعة استجيب دعاء المظلوم عليه ، فكان اليوم نحسا على الظالم ، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على الكفار ، وقول جابر في حديثه " لم ينزل بي أمر غليظ " إشارة إلى هذا . والله أعلم .


[14469]:راجع جـ 15 ص 347.
[14470]:راجع جـ 2 ص 313.
[14471]:في ي: "المصلحين".