معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (75)

قوله تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } الآية . أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، ثنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو عبد الله بن حامد الأصفهاني ، ثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم السمرقندي ، ثنا محمد بن نصر ، حدثني أبو الأزهر أحمد بن الأزهر ، ثنا مروان بن محمد بن شعيب ثنا معان بن رفاعة عن علي بن زيد ، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال : " جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ، ثم أتاه بعد ذلك ، فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أمالك في رسول الله أسوة حسنة ؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم ارزق ثعلبة مالا " . قال : فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ، فنزل واديا من أوديتها وهى تنمو كالدود ، فكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ، ويصلي في غنمه سائر الصلوات ، ثم كثرت ونمت حتى تباعد بها عن المدينة ، فصار لا يشهد إلا الجمعة ، ثم كثرت فنمت فتباعد أيضا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة . فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار ، فذكره صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : ما فعل ثعلبة ؟ قالوا : يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما يسعها واد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة . فأنزل الله آية الصدقات ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهنية وكتب لهما أسنان الصدقة ، فكيف يأخذان ، وقال لهما : مرا بثعلبة بن حاطب ، وبفلان ، رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقراه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي ، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلها بها فلما رأوها قالوا : ما هذه عليك . قال : خذاه فإن نفسي بذلك طيبة ، فمرا على الناس فأخذا الصدقات ، ثم رجعا إلى ثعلبة ، فقال : أروني كتابكما فقرأه ، ثم قال : ما هذه إلا أخت الجزية ، اذهبا حتى أرى رأيي . قال : فأقبلا رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه قال : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ، ثم دعا للسلمي بخير ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، فأنزل الله تعالى فيه : { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله } الآية ، إلى قوله : { وبما كانوا يكذبون } وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة ، فقال : إن الله عز وجل منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثو التراب على رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عملك وقد أمرتك فلم تطعني ، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض صدقته ، رجع إلى منزله . وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أتى أبا بكر فقال : اقبل صدقتي ، فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنا أقبلها ؟ فقبض أبو بكر ولم يقبلها . فلما ولي عمر أتاه فقال : اقبل صدقتي ، فقال : لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ، أنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها فلما ولي عثمان أتاه فلم يقبلها منه ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . قال ابن عباس و سعيد بن جبير و قتادة : أتى مجلسا من الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه ، وتصدقت منه ، ووصلت الرحم ، وأحسنت إلى القرابة ، فمات ابن عم له فورثه مالا فلم يف بما قال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال الحسن و مجاهد : نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ، وهما من بني عمرو بن عوف ، خرجا على ملأ قعود قالا : والله لئن رزقنا الله مالا لنصدقن ، فلما رزقهما الله عز وجل بخلا به ، فقوله عز وجل : { ومنهم } يعني : المنافقين { من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } ولنؤدين حق الله منه . { ولنكونن من الصالحين } ، نعمل بعمل أهل الصلاح فيه ، من صلة الرحم والنفقة في الخير .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (75)

فيه ثمان مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " ومنهم من عاهد الله " قال قتادة : هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني الله شيئا لأؤدين فيه{[8167]} حقه ولأتصدقن ، فلما آتاه الله ذلك فعل ما نُص عليكم ، فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور . وروى علي بن يزيد{[8168]} عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ( فسماه ) قال للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالا . فقال عليه السلام ( ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ) ثم عاود ثانيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما ترضى أن تكون مثل نبي الله لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت ) فقال : والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه . فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، فاتخذ غنما فنمت كما تنمي الدود ، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، وترك ما سواهما ، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، وهي تنمي حتى ترك الجمعة أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا ويح ثعلبة ) ثلاثا . ثم نزل " خذ من أموالهم صدقة " [ التوبة : 103 ] . فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة ، وقال لهما : ( مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما ) فأتيا ثعلبة وأقرأه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذه إلا أخت{[8169]} الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا . الحديث ، وهو مشهور . وقيل : سبب غناء ثعلبة أنه ورث ابن عم له . قاله ابن عبدالبر : قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه " ومنهم من عاهد الله . . . " الآية ؛ إذ منع الزكاة ، فالله أعلم . وما جاء فيمن شاهد بدرا يعارضه قوله تعالى في الآية : " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم " الآية .

قلت : وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام فحلف في مجلس{[8170]} من مجالس الأنصار : إن سلم ذلك لأتصدقن منه ولأصلن منه . فلما سلم بخل بذلك فنزلت . قلت : وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان ، حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة{[8171]} فما روي عنه غير صحيح . قال أبو عمر : ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح ، والله أعلم . وقال الضحاك : إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير . قلت : وهذا أشبه بنزول الآية فيهم ، إلا أن قوله " فأعقبهم نفاقا " يدل على أن الذي عاهد الله لم يكن منافقا من قبل ، إلا أن يكون المعنى : زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات ، وهو قوله تعالى : " إلى يوم يلقونه " على ما يأتي .

الثانية - قال علماؤنا : لما قال الله تعالى : " ومنهم من عاهد الله " احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه . واحتمل أن يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة ، فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها . و " من " رفع بالابتداء والخبر في المجرور . ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام ، أما إنه في صيغة القسم في المعنى فإن اللام تدل عليه ، وقد أتى بلامين الأولى للقسم والثانية لام الجواب ، وكلاهما للتأكيد . ومنهم من قال : إنهما لا ما القسم ، والأول أظهر ، والله أعلم .

الثالثة - العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به ، قاله علماؤنا . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به وهو القول الآخر لعلمائنا . ابن العربي : والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك ، وقد سئل : إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال : يلزمه ، كما يكون مؤمنا بقلبه ، وكافرا بقلبه . قال ابن العربي : وهذا أصل بديع ، وتحريره أن يقال : عقد لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنية . أصله الإيمان والكفر .

قلت : وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به . قال أبو عمر : ومن اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء . هذا هو الأشهر عن مالك . وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه ، كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه . والأول أصح في النظر وطريق الأثر ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تجاوز الله لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعلمه يد ) .

الرابعة - إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية . وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق . بيد أن المعنى فيه إن كان الرجل فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة ، فسأل الله مالا تلزمه فيه الزكاة ويؤدي ما تعين عليه من فرضه ، فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه ، لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالى بغير نية خالصة ، أو نية لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها الشقاوة . نعوذ بالله من ذلك .

قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : ( إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما كتب له في غيب الله عز وجل من أمنيته ) أي من عاقبتها ، فرب أمنية يفتتن بها أو يطغى فتكون سببا للهلاك دنيا وأخرى ؛ لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها . وأما تمني أمور الدين والأخرى فتمنيها محمود العاقبة محضوض عليها مندوب إليها .

الخامسة - قوله تعالى : " لئن آتانا من فضله لنصدقن " دليل على أن من قال : إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه ، وبه قال أبو حنيفة : وقال الشافعي : لا يلزمه . والخلاف في الطلاق مثله ، وكذلك في العتق . وقال أحمد بن حنبل : يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق ؛ لأن العتق قربة وهي تثبت في الذمة بالنذر ، بخلاف الطلاق فإنه تصرف في محل ، وهو لا يثبت في الذمة . احتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك ) لفظ الترمذي . وقال : وفي الباب عن علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة حديث عبدالله بن عمرو حديث حسن ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب . وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم . ابن العربي : وسرد أصحاب الشافعي في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح منها شيء فلا يعول عليها ، ولم يبق إلا ظاهر الآية .


[8167]:في ع: منه وفي هـ: لله حقه.
[8168]:كذا في ب و ج و ع و ك وفي ا: زيد كلاهما روى عن القاسم.
[8169]:في ع: ما هذه إلا جزية – ما هذه إلا أخت الجزية. وفي ج: أخية الجزية.
[8170]:في ج و ع: مجلسين.
[8171]:يلاحظ أن الذي سيذكره المؤلف في أول سورة الممتحنة إنما هو حاطب بن أبي بلتعة لا ثعلبة بن حاطب.