أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ} (17)

قتل الإنسان ما أكفره دعاه عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران وهو مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ} (17)

{ قُتِلَ الإنسان } دعاء عليه بأشنع الدعوات وأفظعها { مَا أَكْفَرَهُ } تعجيب من إفراطه في الكفران وبيان لاستحقاقه الدعاء عليه والمراد به إما من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة للإقبال عليه والإيمان به وإما الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده ورجح هذا بأن الآية نزلت على ما أخرج ابن المنذر عن عكرمة في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى فقال صلى الله عليه وسلم : «اللهم ابعث عليه كلبك حتى يفترسه » فلما كان في أثناء الطريق ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار أن أصبح حياً فجعلوه وسط الرفقة والمتاع حول فأقبل أسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه فمزقه فكان أبو يندبه ويبكي عليه ويقول ما قال محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً قد إلا ان وسيأتي إن شاء الله تعالى خبر في هذه القصة أصول من هذا الخبر فلا تغفل ثم أن هذا كلام في غاية الإيجاز وقد قال جار الله لا ترى أسلوباً أغلظ منه ولا أدل على سخط ولا أبعد شوطاً في المذمة مع تقارب طرفيه ولا أجمع للأئمة على قصر متنه حيث اشتمل على ما سمعت من الدعاء مراداً به إذ لا يتصور منه تعالى لازمه وعلى التعجب المراد به لاستحالته عليه سبحانه التعجيب لكل سامع وقال الإمام أن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفاً والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعاً ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن وما نسب إلى امرئ القيس من قوله :

يتمنى المرء في الصيف الشتا *** فإذا جاء الشتا أنكره

فهو لا يرضى بحال واحد *** قتل الإنسان ما أكفره

لا أصل له ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى : { قُتِلَ الإنسان } خبراً عن أنه سيقتل الكفار بإنزال آية القتال وعبر بالماضي مبالغة في أنه سيتحقق ذلك وليس بشيء ونحوه ما قيل إن ما استفهامية أي أي شيء أكفره أي جعله كافراً بمعنى لا شيء يسوع له أن يكفر .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ} (17)

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جانب من نعم الله - تعالى - على خلقه ، وموقفهم من هذه النعم ، فقال - تعالى - :

{ قُتِلَ الإنسان مَآ . . . } .

قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسملين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : وأى سبب فى هذا العجب والترفع ؟ مع أن أوله نطفة قذرة ، وآخره جيفة مذرة ، وفيما بين الوقتين حمال عذرة ، فلا عجب أن ذكر الله - تعالى - ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقه الإِنسان يستدل بها على وجود الصانع ، وعلى القول بالبعث والحشر والنشر . .

والمراد بالإِنسان هنا : الإِنسان الكافر الجاحد لنعم ربه . ومعنى " قتل " لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ، ويصح أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا أى : لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ذلك الإِنسان الذى ما أشده كفره وجحوده لنعم الله - تعالى - .

والدعاء عليه باللعن من الله - تعالى - ، المقصود به : التهديد والتحقير من شأن هذا الإِنسان الجاحد ، إذ من المعلوم أن الله - سبحانه - هو الذى يتوجه إليه الناس بالدعاء ، وليس هو - سبحانه - الذى يدعو على غيره ، إذ الدعاء فى العادة إنما يكون من العاجز ، وجل شأن الله - تعالى - عن العجز .

وجملة " ما أكفره " تعليل لاستحقاق هذا الإِنسان الجاحد التحقير والتهديد .

وهذه الآية الكريمة المتأمل فيها يراها - مع بلوغها نهاية الإِيجاز - قد بلغت - أيضا - نهاية الإِعجاز فى أسلوبها ، حيث جمعت أشد ألوان الذم والتحقير بأبلغ أسلوب وأوجزه .

ولذ قال صاحب الكشاف : { قُتِلَ الإنسان } دعاء عليه ، وهى من أشنع دعواتهم ، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها { مَآ أَكْفَرَهُ } تعجيب من إفراطه فى كفران نعمة الله ، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ولا أخشن متنا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد فى المذمة ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع لِلائمةٍ ، على قصر متنه . .