قوله جل ذكره : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .
{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ َالأَرْضَ بِالْحِقِّ } : أي وهو مُحِقُّ في خَلْقِه .
{ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } لم يَقُلْ لشيءٍ من المخلوقات هذا الذي قال لنا ، صوَّر الظاهرَ وصوَّر الباطنَ ؛ فالظاهر شاهدٌ على كمال قدرته ، والباطن شاهدٌ على جلال قربته .
بالحق : بالغرض الصحيح ، والحكمة البالغة ، وهو أن جعل الأرض مقرّ المكلّفين ، ليعملوا فيجازيهم ، وسخر السماوات لهم .
وصوّركم : التصوير : تخطيط وتشكيل وتمييز وتخصيص ، أي : خلقكم وبرأكم على صور وهيئات شتى ، يتميز بها كل واحد عن سواه .
فأحسن صوركم : أتقنها وأحكمها ، وجعلكم نموذج جميع المخلوقات ، كما قال تعالى : في أحسن تقويم . ( التين : 4 ) .
3- { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .
خلق السماوات والأرض بالحكمة البالغة ، وجعل الأرض مستقرا للإنسان ، وألهمه أداء مهمته ، ولم يخلق السماوات والأرض عبثا بدون هدف ، بل خلقهما بالحق والعدل ، ومن الحق أن يكافئ الطائع ، وأن يحاسب ويعاقب العاصي .
{ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ . . . }
خلق الإنسان في أبدع صورة ، وأكمل هيئة ، ومنحه العقل والقوى الظاهرة والباطنة ، وأعطاه العقل والقدرة على الإبداع ، واستنباط المجهول من المعلوم ، وخلقه قائما منتصبا في أجمل شكل ، وشقّ له في وجهه للنظر عينين ، وللسمع أذنين ، ولسانا وشفتين ، وهداه النجدين ، وبيّن له الطريقين ، والجمال متفاوت ، والحسن متفاوت ، وكل إنسان قد أوتي نصيبا من الجمال ، بيد أن هناك الحَسَن والأَحْسَن ، كما أن هناك العالم والأعلم : وفوق كل ذي علم عليم . ( يوسف : 76 ) .
قالت الحكماء : شيئان لا غاية لهما : الجمال والبيان .
قيل له : جعلهم أحسن كالحيوان كله ، وأبهاه صورة ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور ، ومن أحسن صورته أنه خُلق منتصبا غير منكبّ . 1ه .
إنّ روح الإنسان مؤهله للسموّ الروحي ، والتألق في عالم الروحانيات ، بمحبة الله وعبادته وتسبيحه وتقديسه ، وتكبيره والالتجاء إليه ، والتفكّر في خلقه ، والتملّي بجمال مخلوقاته .
وبدن الإنسان من عالم الأشباح ، وهذا التركيب من خصائص الإنسان ، ففيه جزء طيني أرضي هو الجسم ، وفيه فيض نفخة روح الله تعالى .
قال تعالى : { إني خالق بشرا من طين*فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } . ( ص : 71-72 ) .
وتزعم أنه جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
{ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } . المرج والمآل ، والحساب والجزاء .
فلما ذكر خلق الإنسان المكلف المأمور المنهي ، ذكر خلق باقي المخلوقات ، فقال : { خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : أجرامهما ، [ وجميع ] ما فيهما ، فأحسن خلقهما ، { بِالْحَقِّ } أي : بالحكمة ، والغاية المقصودة له تعالي ، { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } كما قال تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } فالإنسان أحسن المخلوقات صورة ، وأبهاها منظرًا . { وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } أي : المرجع يوم القيامة ، فيجازيكم على إيمانكم وكفركم ، ويسألكم عن النعم والنعيم ، الذي أولاكموه{[1112]} هل قمتم بشكره ، أم لم تقوموا بشكره ؟
{ خَلَقَ السماوات والأرض بالحق } أى : خلقهن خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وبالحكمة التى لا يشوبها اضطراب أو عبث ، فالباء فى قوله " بالحق " للملابسة .
والمراد بالسموات والأرض : ذواتهن وأجرامهن التى هى أكبر من خلق الناس .
والمراد بالحق : المقصد الصحيح ، والغرض السليم ، الواقع على أتم الوجوه وأفضلها وأحكمها .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على الناس فقال : { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } .
وقوله : { وَصَوَّرَكُمْ } من التصوير ، وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها ، وهو ماخوذ من مادة صار الشىء إلى كذا ، بمعنى تحول إليه ، أو من صاره إلى كذا ، بمعنى أماله وحوله .
أى : وأوجدكم - سبحانه - يا بنى آدم على أحسن الصور وأكملها وأبدعها وأجملها ، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون على غير صورته التى خلقه الله عليها ، كأن يكون على صورة حيوان أو غيره .
وصدق الله إذ يقول : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال الآلوسى : ولعمرى إن الإنسان أعجب نسخة فى هذا العالم ، قد اشتملت على دقائق وأسرار شهدت ببعضها الآثار ، وعلم ما علم منها أولو الأبصار ، وكل ما يشاهد من الصور الإنسانية حسن ، لكن الحسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب . . . كما قال بعض الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان .
وقوله - تعالى - { وَإِلَيْهِ المصير } معطوف على ما قبله ، لأن التصوير يقتضى الإيجاد ، فبين - سبحانه - أن هذا الإيجاد يعقبه الفناء لكل شىء سوى وجهه الكريم .
أى : وإليه وحده - تعالى - مرجعكم بعد انتهاء آجالكم فى هذه الحياة ، لكى يجازيكم على أعمالكم الدنيوية .