{ هو الذي أنزل من السماء } من السحاب أو من جانب السماء . { ماء لكم منه شرابٌ } ما تشربونه ، { ولكم } صلة { أنزل } أو خبر { شراب } و{ من } تبعيضية متعلقة به ، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله : { فسلكه ينابيع } وقوله : { فأسكناه في الأرض } { ومنه شجر } ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي . وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال :
يعلفها اللحم إذا عزّ الشجر *** والخيل في إطعامها اللحم ضرر
{ فيه تُسيمون } ترعون ، من سامت الماشية وأسامها صاحبها ، وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات .
{ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } .
تستمر هذه الآيات في بيان : نعم الله تعالى على عباده ، أي : إن الذي أنعم عليكم بالنعم السابقة ، وسخر لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ، هو الذي أنزل المطر من السماء عذبا زلالا تشربون منه ، وتسقون أشجاركم وزروعكم ، التي تسيمون فيها أنعامكم ، وفيها ترعى حيواناتكم وماشيتكم .
والحاصل : أن ماء المطر قسمان :
أحدهما : هو الذي جعله الله شرابا لنا ولكل حيّ ، والمراد بقوله : { لكم منه شراب } . وقد بين الله تعالى في آية أخرى : أن هذه النعمة جليلة فقال : { وجعلنا من الماء كل شيء حي }( الأنبياء : 30 ) .
والقسم الثاني : من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سببا لتكوين النبات ، وإليه الإشارة بقوله : { ومنه شجر فيه تسيمون } . والمراد من الشجر : الكلأ والعشب .
قال الزجاج : كل ما نبت على الأرض فهو شجر ، وقال ابن قتيبة في هذه الآية ، المراد من الشجر : الكلأ ، وقيل : إن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار . اه .
ويمكن أن يطلق الشجر على الأشجار والنباتات ، وأتى سبحانه بلفظ في المفيدة للظرفية ، في قوله تعالى : { فيه تسيمون } ؛ للإشارة إلى أن الرعي في هذا الشجر ، قد يكون عن طريق أكل ما تحته من الأعشاب والمرعى .
{ هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآء } شروع في نوع آخر من النعم الدالة على توحيده سبحانه ، والمراد من الماء نوع منه وهو المطرد ومن السماء إما السحاب على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل ، وإما الجرم المعروف والكلام على حذف مضاف أي من جانب السماء أو جهتها وحملها على ذلك بدون هذا يقتضيه ظاهر بعض الأخبار ولا أقول به ، و { مِنْ } على كل تقدير ابتدائية وهو متعلق بما عنده ، وتأخير المفعول الصريح عنه ليظمأ الذهن إليه فيتمكن أتم تمكن عند وروده عليه ، وقوله تعالى : { لَكُمْ } يحتمل أن يكون خبراً مقدماً ، وقوله سبحانه : { مِنْهُ } في موضع الحال من قوله عز وجل : { شَرَابٌ } أي ما تشربون وهو مبتدأ مؤخر أو هو فاعل بالظرف الأول والجملة صفة لماء و { مِنْ } تبعيضية وليس في تقديمها إيهام حصر ، ومن توهمه قال : لا بأس به لأن جميع المياه العذبة المشروبة بحسب الأصل منه كما ينبىء عنه قوله تعالى : { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ في الأرض } [ الزمر : 21 ] وقوله سبحانه : { فَأَسْكَنَّاهُ في الأرض } [ المؤمنون : 18 ] ويحتمل أن يكون متعلقاً بما عنده { وَمِنْهُ * شَرَابٌ } مبتدأ وخبر أو شراب فاعل بالظرف والجملة ومن كما تقدم .
وتعقب بأن توسيط المنصوب بين المجرورين وتوسيط الثاني منهما بين الماء وصفته مما لا يليق بجزالة النظم الجليل وهو كذلك { وَمِنْهُ شَجَرٌ } أي نبات مطلقاً سواء كان له ساق أم لا كما نقل عن الزجاج وهو حقيقة في الأول ، ومن استعماله في الثاني قول الراجز :
نعلفها اللحم إذا عز الشجر . . . والخيل في إطعامها اللحم ضرر
فإنه قيل : الشجر فيه بمعنى الكلأ لأنه الذي يعلف ، وكذا فسره في النهاية بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت » ولعل ذلك لأنه جاء في الحديث النهي عن منع فضل الماء كمنع فضل الكلأ وتشارك الناس في الماء والكلأ والنار ، وأبقاه بعضهم على حقيقته ولم يجعله مجازاً شاملاً ، و { مِنْ } إما للتبعيض مجازاً لأن الشجر لما كان حاصلاً بسقيه جعل كأنه منه كقوله :
أسنمة الابال في ربابه . . . يعني به المطر الذي ينبت به ما تأكله الإبل فتسمن أسنمتها ، وإما للابتداء أي وكائن منه شجر ، والأول أولى بالنسبة إلى ما قبله .
وقال أبو البقاء : هي سببية أي وبسببه إنبات شجر ، ودل على ذلك { يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع } [ النحل : 11 ] وجوز ابن الأنباري الوجهين الأولين على ما يقتضيه ظاهر قوله : الكلام على تقدير مضاف إما قبل الضمير أي من جهته أو من سقيه شجر وأما قبل شجر أي ومنه شراب شجر كقوله تعالى : { وَأُشْرِبُواْ في قُلُوبِهِمُ العجل } [ البقرة : 93 ] أي حبه اه وهو بعيد وإن قيل : الإضمار أولى من المجاز لا العكس الذي ذهب إليه البعض وصحح المساواة لاحتياج كل منهما إلى قرينة .
{ فِيهِ تُسِيمُونَ } أي ترعون يقال : أسام الماشية وسومها جعلها ترعى وسامت بنفسها فهي سائمة وسوام رعت حيث شاءت ، وأصل ذلك على ما قال الزجاج السومة وهي كالسمة العلامة لأن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي ترعاها . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { تُسِيمُونَ } بفتح التاء فإن سمع سام متعدياً كان هو وأسام بمعنى وإلا فتأويل ذلك أن الكلام على حذف مضاف أي تسيم مواشيكم .
والمراد بالسماء : السحاب المرتفع فى طبقات الجو ، حيث ينزل منه الماء بقدرة الله - تعالى - والشراب : اسم للمشروب الذى يشربه الإِنسان والحيوان وغيرهما .
والشجر : يطلق على النبات ذى الساق الصلبة على سبيل الحقيقة ، ويطلق على العشب والكلأ على سبيل المجاز ، وهو المراد هنا ، لأنه هو الذى ترعاه الأنعام .
والضمير فى قوله - سبحانه - { ومنه شجر } يعود على الماء ، باعتباره السبب فى وجود الشجر .
قال الآلوسى : قوله - سبحانه - { ومنه شجر } أى : نبات مطلقا سواء أكان له ساق أم لا ، كما نقل عن الزجاج ، وهو حقيقة فى الأول ، ومن استعماله فى الثانى قول الراجز :
نعلفها اللحم إذا عز الشجر . . . والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
فإنه قيل : الشجر فيه بمعنى الكلأ ، لأنه الذى يعلف . . .
وقوله : { تسيمون } من الإسامة ، بمعنى إطلاق الإِبل وغيرها للسوم ، أى الرعى . يقال : أسام فلان إبله للرعى إسامة ، إذا أخرجها إلى المرعى . وسامت هى تسوم سوما ، إذا رعت حيث شاءت وأصل السوم : الإبعاد فى المرعى .
والمعنى : هو - سبحانه - وحده وليس غيره : الذى غمركم بنعمه ، حيث أنزل لكم من السحاب ماء كثيرا ، هذا الماء الكثير المنزل بقدر معلوم ، منه تأخذون ما تشربونه وما تنتفعون فى حوائجكم الأخرى ، وبسببه تخرج المراعى التى ترعون فيها دوابكم .
فالآية الكريمة دليل آخر من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وبديع خلقه ، حيث أنزل - سبحانه - المطر من السماء ، ولو شاء لأمسكه ، أو لأنزله غير صالح للشراب .
قال - تعالى - : { أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } وأتى - سبحانه - بلفظ " فى " المفيدة للظرفية ، فى قوله - تعالى - { فيه تسيمون } ؛ للإِشارة إلى أن الرعى فى هذا الشجر ، قد يكون عن طريق أكل الدواب منه ، وقد يكون عن طريق أكل ما تحته من الأعشاب .
قوله تعالى : { هو الذي أنزل من السماء ماء لكن منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ( 10 ) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ( 11 ) } وهذا صنف آخر من أنعم الله امتنّ بها سبحانه على عباده وهو الماء بكل فوائده ومنافعه . والمعنى : أن الله هو الذي أنزل من السماء ماء المطر ؛ ليكون غيثا يُغاث به الناس فمنه شرابهم واستقاؤهم . وبسببه ينبت الشجر . وهو مطلق النبات على اختلاف أنواعه ( فيه تسيمون ) من السوم وهو الرعي . سامت الماشية أي رعت . والسائمة التي ترعى بنفسها حيث شاءت . وأسامها صاحبها ، أي أخرجها إلى المرعى{[2501]} . و ( تسيمون ) ، أي ترعون أنعامكم فتستفيدون منها اللحم والدر والنسل وغير ذلك من المنافع .