فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ} (10)

لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات ، أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال : { هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء } أي : من جهة السماء ، وهي السحاب { مَاء } أي : نوعاً من أنواع الماء ، وهو المطر { لَكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } يجوز أن يتعلق { لكم } ب{ أنزل } أو هو خبر مقدّم ، وشراب مبتدأ مؤخر ، والجملة صفة لماء { وَمِنْهُ } في محل نصب على الحال ، والشراب : اسم لما يشرب كالطعام لما يطعم ، والمعنى : أن الماء النازل من السماء قسمان : قسم يشربه الناس ، ومن جملته ماء الآبار والعيون ، فإنه من المطر لقوله : { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض } [ الزمر : 21 ] وقسم يحصل منه شجر ترعاه المواشي . قال الزجاج : كل ما ينبت من الأرض فهو شجر ، لأن التركيب يدل على الاختلاط ، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض ، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق . وقال ابن قتيبة : المراد من الشجر في الآية الكلأ ، وقيل : الشجر : كل ماله ساق كقوله تعالى : { والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن : 6 ] . والعطف يقتضي التغاير ، فلما كان النجم ما لا ساق له ، وجب أن يكون الشجر ما له ساق ، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز { فِيهِ تُسِيمُونَ } أي : في الشجر ترعون مواشيكم ، يقال : سامت السائمة تسوم سوماً رعت فهي سائمة ، وأسمتها ، أي : أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة ، وأصل السوم : الإبعاد في المرعى . قال الزجاج : أخذ من السومة ، وهي العلامة ، لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها .

/خ19