{ وعنده مفاتح الغيب } خزائنه جمع مفتح بفتح الميم ، وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح ، ويؤيده أنه قرئ " مفاتيح " والمعنى أنه المتوصل إلى المغيبات المحيط علمه بها . { لا يعلمها إلا هو } فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته ، وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها . { ويعلم ما في البر والبحر } عطف للأخبار عن تعلق علمه تعالى بالمشاهدات على الإخبار عن اختصاص العلم بالمغيبات به . { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات . { ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس } معطوفات على ورقة وقوله : { إلا في كتاب مبين } بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على أن الكتاب المبين علم الله سبحانه وتعالى ، أو بدل الاشتمال إن أريد به اللوح وقرئت بالرفع للعطف على محل ورقة أو رفعا على الابتداء والخبر { إلا في كتاب مبين } .
مفاتح : جمع مفتح أو مفتاح – بكسر الميم فيهما ، وهو أداة الفتح . والمراد بمفتاح الغيب : أسباب علمه .
في كتاب مبين : الكتاب المبين هو علم الله .
55- وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . . . الآية .
تصور هذه الآية علم الله تعالى الشامل المحيط لهذا الكون ، فلا يند عن علم الله شيء في الزمان ولا في المكان ، في الأرض ولا في السماء ، في البر ولا في البحر ، في جوف الأرض ، ولا في طبقات الجو ، من حي وميت ويابس ورطب .
أي أن الله سبحانه وتعالى استأثر بعلم الغيب فلا يعلمه أحد سواه ، إنه هو الذي خلق الإنسان ، وكتب أجله ورزقه ، وشقي أو سعيد ، وهو المحيط علما بما في البر والبحر وخصهما بالذكر لأنهما مشاهدان أمام الإنسان وهما رمز لإحاطة علم الله الشامل بكل ما في الكون .
والمعنى : يعلم ما في البر والبحر من أجزائهما ، وما ظهر أو خفي فيهما : من الإنسان والحيوان والنبات ، والسوائل ، والجوامد ، والأدهنة والأبخرة ، وعناصرها ، وذراتها ، ومكونات هذه الذرات .
وقد صرح الحق سبحانه بشمول علمه لكل كلي وجزئي ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق وجليل فقال سبحانه :
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . أي وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ، ولا حبة في باطن الأرض وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها ، إلا ويعلمه علما تاما شاملا ، لأن ذلك مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي الثابت .
ويمكن أن نضيف إلى تفسير هذه الآية ما يأتي :
قامت الشيوعية وأظهرت تبرمها بالأديان ، وادعت أن الإنسان يخطط لنفسه ويصنع مستقبله بعلمه وعمله وظن الناس ان التطور العلمي سيحدد مستقبل الإنسان ، وإذا بالعلماء يصرحون أن الإنسان كلما زاد علمه زاد إدراكه بالجهل ، واتساع دائرة ما لا يعلمه . أي أن زيادة العلم تشعر الإنسان بزيادة الجهل بحقائق كثيرة في هذا الكون ، وبذلك تراجعت الفلسفة الشيوعية ، وانسحبت الشيوعية من أوروبا الشرقية بعد مرور ( 70 ) سبعين عاما على نشأتها وعاد الإيمان إلى الناس ، وعادت ثقتهم في الإيمان بالغيب .
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عاد الناس إلى الكنائس في موسكو نفسها ، وفي غيرها من البلدان التي كانت شيوعية ، ولم يكن الذاهبون إلى الكنائس من كبار السن فقط بل كان فيهم الشباب والفتيان والفتيات .
يتعلق بهذه الآية أيضا : أن علم الغيب مقصور على الله تعالى ، أما ظن الغيب بأمارات فإنه ممكن لمن يأخذ بأسباب هذه المعرفة كما يحدث عن الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر ، حين يخبرون بهبوب الرياح بشدة أو باعتدالها ، وبكسوف الشمس يوم كذا ، وبخسوف القمر ليلة كذا ، وكما يحدث عن علماء الفلك حين يخبرون بزمن نزول المطر ، أو نزول درجة الحرارة أو صعودها .
أو نحو ذلك ، فيقع الأمر كما قالوا . . وكما يفعله الأطباء بحكم العادة عندهم إذ يقولون : لمن حلمة ثديها الأيمن سوداء جنينك ذكر ، ولمن حلمة ثديها الأيسر كذلك جنينك أنثى فيقع الأمر كما قالوا . ونحو ذلك مما يخضع لقواعد علمية أو أمارات ظنية .
أما العرافون الذين يدعون علم الغيب كقول أحدهم :
إنك ستكسب كذا ، أو تتزوج فلانة فهو آثم جاحد .
قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه ، إلا من اصطفى من عباده ، والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله .
ثم قال : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان ولا سيما بالديار المصرية ، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم ، اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب ( 93 ) .
وقد ورد في السنة الصحيحة النهي عن الذهاب إلى العرافين والمنجمين ، جاء في صحيح مسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء ، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ( 94 ) .
وروى البخاري بسنده عن ابن عمر أن رسول الله قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ( 95 ) .
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير . ( لقمان : 34 ) .
وهنا نجد بعض الناس يتساءلون عن توصل العلم إلى معرفة نوع الجنين ، والجواب أن علم الله بما في الأرحام علم شامل يمتد إلى معرفة أجله ورزقه وسعادته أو شقاوته وهذه أمور لا يعلمها إلا الله تعالى .
ولا ينبغي أن نطاوع العامة في محاولة معرفة المستقبل عند العرافين فقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه ، فقد كفر بما أنزل على محمد ( 96 ) .
مفاتح الغيب : المفاتح : جمع مفتح بفتح الميم أي المخزن .
{ البر والبحر } : البر ضد البحر ، وهو اليابس من الأرض ، والبحر ما يغمره الماء منها .
{ ورقة } : واحدة الورق والورق للشجر كالسعف للنخل .
{ حبة } : واحدة الحب من ذرة أو بر أو شعير أو غيرها .
{ ولا رطب } : الرطب ضد اليابس من كل شيء .
{ في كتاب مبين } : أي في اللوح المحفوظ كتاب المقادير .
لما ذكر تعالى في نهاية الآية السابقة أنه أعلم بالظالمين المستحقين للعقوبة أخبر عز وجل أن الأمر كما قال ودليل ذلك أنه عالم الغيب والشهادة ، إذ { عنده مفاتح الغيب } أي خزائن الغيب وهو الغيب الذي استأثر بعلمه فلا يعلمه سواه ويعلم ما في البر والبحر وهذا من عالم الشهادة ، إضافة إلى ذلك أن كل شيء كان أو يكون من أحداث العالم قد حواه كتاب له اسمه اللوح المحفوظ ، وهو ما دل عليه قوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } وما كتبه قبل وجوده فقد علمه إذاً فهو عالم الشهادة ، إضافة إلى ذلك أن كل شيء كان أو يكون من أحداث العالم قد حواه كتاب له اسمه اللوح المحفوظ ، وهو ما دل عليه قوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } وما كتبه قبل وجوده فقد علمه إذاً فهو عالم الغيب والشهادة أحصى كل شيء عدداً وأحاط بكل شيء علماً ، فكيف إذاً لا يعبد ولا يرغب فيه ولا يرهب منه وأين هو في كماله وجلاله من أولئك الأموات من أصنام وأوثان . ؟ ؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 59 ) .
- بيان مظاهر القدرة والعلم والحكمة لله تعالى .
- استئثار الله تعالى بعلم الغيب .
- كتاب المقادير حوى كل شيء حتى سقوط الورقة من الشجرة وعلم الله بذلك .