{ والذين كذبوا بآياتنا صم } لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظم قدرته سماعا تتأثر به نفوسهم . { وبكم } لا ينطقون بالحق . { في الظلمات } خبر ثالث أي خابطون في ظلمات الكفر ، أو في ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد ، ويجوز أن يكون حالا من المستكن في الخبر . { من يشإ الله يضلله } من يشأ الله إضلاله يضلله ، وهو دليل واضح لنا على المعتزلة . { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه .
ثم قال - تعالى - { والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات } .
أى : مثلهم فى جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم الذى لا يسمع ، والأبكم الذى لا يتكلم وهو مع ذلك فى ظلمات لا يبصر ، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال .
ففى التعبير القرآنى استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن كل دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون فى الظلام من حيث لا نور يهديهم .
ثم قال - تعالى - : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .
أى : من يشأ الله له الضلالة أضله بأن يجعله يسير فى طريق هواه بسبب إعراضه عن طريق الخير ، وإيثاره العمى على الهدى ، ومن يشأ الله له الهداية يهده ، لأنه قد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . فالهداية والضلالة ليسا إجباريين لا اختيار للعبد فيهما ، وإنما الحق أن للعبد اختيارا فى الطريق الذى يسلكه ، فإن كان خيرا خطا فيه إلى النهاية ، وإن كان شرا سار فيه إلى الهاوية .
قوله : { والذين كذبوا بئايتنا صم وبكم في الظلمت } صم وبكم خبر لاسم الموصول . وقيل : خبر لمبتدأ محذوف تقديره بعضهم . أي بعضهم صم وبعضهم بكم . أي أن الذين كذبوا بقرآن الله أو بحجبه ودلائله صم عن سماع الحق فلا يسمعون الآيات سماع المتأثر المستجيب . وهم كذلك بكم لا يقولون الحق ولا ينطقون بمقتضى الآيات من الصدق والصواب والحكمة . وهم مع ذلك كله سادرون حيارى ، إذ يتخبطون { في الظلمت } أي ظلمات الكفر . أو ظلمات الجهل والعناد والسفاهة والتقليد بالباطل .
قوله : { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } أي من يرد الله سبحانه أن يخلق فيه الضلال عن الحق يخلقه فيه فيضل . فيسوقه للضلال حينئذ اختياره الناشئ عن استعداده . ومن يرد الله أن يخلق فيه الهدى إلى الحق يخلقه فيه فيساق إليه تبعا لاختياره الناشئ عن استعداده .
وقالت المعتزلة : في تأويل قوله : { من يشإ الله يضلله } الآية : أي يخذله ولم يلطف به . وضلاله عدم اللطف به ، لأنه ليس من أهل اللطف . أما من يرد الله أن يجعله على صراط مستقيم ، فالمراد به أن يلطف به ، لأنه من أهل اللطف ولأن اللطف يجدي به . والصواب الأول وهو قول أهل السنة . فهو الظاهر المستبين من الآية . ويعززه غير ذلك من الآيات كقوله عز وعلا : { ويضل الله الظلمين } وقوله { وما يضل به إلا الفسقين } وقوله : { يهدي به الله من اتبع رضونه } وقوله : { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } {[1162]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.