فكأنه قيل : فما قال لهم ؟ فقيل : { قال بل } أي ليس الأمر كذلك ، لم تصح نسبة ابني إلى السرقة ظاهراً ولا باطناً ، أي لم{[42501]} يأخذ شيئاً من صاحبه في خفاء بل { سولت } أي{[42502]} زينت تزييناً{[42503]} فيه غي { لكم أنفسكم أمراً } أي حدثتكم بأمر ترتب عليه ذلك ، والأمر : الشيء الذي من شأنه أن تأمر النفس به ، وكلا الأمرين صحيح ، أما النفي فواضح ، لأن بنيامين لم يسرق الصواع ولا همّ بذلك ، ولذلك لم ينسبه يوسف عليه الصلاة والسلام ولا مناديه إلى ذلك بمفرده ، وأما الإثبات فأوضح ، لأنه لولا فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام لما سولت لهم فيه أنفسهم . لم يقع هذا الأمر لبنيامين عليه السلام { فصبر جميل } مني ، لأن ظني في الله جميل ، وفي قوله : { عسى الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { أن يأتيني بهم } أي بيوسف وشقيقه بنيامين وروبيل { جميعاً } ما يدل الفطن على أنه تفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه الصلاة والسلام ، وأن الأمر إلى{[42504]} سلامة واجتماع ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم بما خفي علينا{[42505]} من ذلك ، فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد { الحكيم } أي البليغ في إحكام الأمور في ترتيب الأسباب بحيث لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها{[42506]} ، وترتيب الوصفين على غاية الإحكام - كما ترى - لأن{[42507]} الحال داع إلى العلم بما غاب من الأسباب أكثر من دعائه إلى{[42508]} معرفة حكمتها ؛ قال هذه المقالة
قوله تعالى : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 83 وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ 84 قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ 85 قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي ليس الأمر في حقيقته كما تقولون بل زينت لكم أنفسكم أمرا أردتموه وتمالأتم عليه فيما بينكم ، وهو في ذلك مرتاب فيهم ؛ إذ كانت لهم في ذلك سابقة في أخيهم يوسف ؛ إذ ألقوه في المهلكة ثم اصطنعوا على أبيهم الكذب لما جاءوه بدم مكذبو ؛ فلا عجب أن يظن يعقوب سوءا ؛ لأن شأنهم مريب بما تلبسوا به من الافتراء والتدليس ومصنوع الحديث .
قوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } التزم يعقوب الصبر في هذه المرة كما اصطبر على حبيبه وقرة عينه يوسف في المرة الأولى . وهو مع بالغ أساه وعميق حزنه يساوره الرجاء العظيم في الله أن يرد إليه أبناءه الثلاثة وهم يوسف ، وأخوه الذي وجدوا في رحله الصواع . ثم أخوهم الكبير الذي ذكرهم بموثقهم الذي قطعوه لأبيهم ، والذي أبى إلا المكث في مصر حتى يأذن له أبوه أو يحكم الله بشيء آخر .
هكذا كان جواب يعقوب لأبنائه مع ما يساوره من بالغ الرجاء من الله بإرجاع بنيه الثلاثة إليه . وهو في ذلك كله تشده الثقة الكاملة بحقيقة رؤياه وحقيقة ما تصير إليه من ظهور يوسف وسجود إخوته له تعظيما .
قوله : { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } قال يعقوب وهو يبث حزنه إلى ربه : إن الله عليم بحالي وهمي وحزني ، حكيم في تدبيره وأفعاله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.