نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} (80)

ولما أيأسهم{[42482]} بما قال عن إطلاق بنيامين ، حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك من الرأي فقال : { فلما } دالاً بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات { استيئسوا منه } أي تحول رجاءهم لتخلية{[42483]} سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأساً شديداً بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله { خلصوا } أي انفردوا من غيرهم حال كونهم { نجياً } أي ذوي{[42484]} نجوى يناجي بعضهم بعضاً ، من المناجاة وهي رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه في خفاء{[42485]} ، من النجو وهو الارتفاع عن الأرض{[42486]} - قاله الرماني ، أو تمحضوا تناجياً لإفاضتهم فيه بجد{[42487]} كأنهم صورة التناجي ، فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل{[42488]} : { قال كبيرهم } في السن وهو روبيل : { ألم تعلموا } مقرراً لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتد توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم { أن أباكم } أي الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه .

ولما كان المقام بالتقرير ومعرفة صورة الحال لتوقع ما يأتي من الكلام ، قال : { قد أخذ عليكم } أي قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر { موثقاً } ولما كان الله تعالى هو الذي شرعه - كما مضى - كان كأنه منه ، فقال : { من الله } أي أيمان الملك الأعظم : لتأتنه به إلا أن يحاط بكم { ومن قبل } أي قبل هذا { ما فرطتم } أي قصرتم بترك التقدم بما يحق لكم في ظن أبيكم أو فيما ادعيتم لأبيكم تفريطاً عظيماً ، فإن زيادة " ما " تدل على إرادته لذلك { في } ضياع { يوسف } فلا يصدقكم أبوكم أصلاً ، بل يضم هذه إلى تلك فيعلم بها خيانتكم قطعاً ، وأصل معنى التفريط ، : التقدم ، من قوله صلى الله عليه وسلم : " أنا فرطكم على الحوض{[42489]} " .

ولما كان الموضع موضع التأسف والتفجع والتلهف ، أكده ب " ما " النافية لنقيض المثبت كما سلف غير مرة ، أي أن فعلكم في يوسف ما كان إلا تفريطاً لا شك فيه { فلن أبرح } أي أفارق هذه { الأرض } بسبب هذا ، وإيصاله الفعل بدون حرف دليل على أنه صار شديد الالتصاق بها { حتى يأذن لي أبي } في الذهاب منها { أو يحكم الله } أي الذي له الكمال كله ووثقنا به { لي } بخلاص أخي أو بالذهاب منها بوجه من الوجوه التي يعلمها ويقدر على التسبب لها { وهو } أي ظاهراً وباطناً { خير الحاكمين * } إذا أراد أمراً بلغه بإحاطة علمه وشمول قدرته ، وجعله على أحسن الوجود وأتقنها ،


[42482]:من م ومد، وفي الأصل: أيسهم، وفي ظ: إياهم.
[42483]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لتخطية.
[42484]:في ظ: ذوا.
[42485]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: خفي.
[42486]:زيد من م ومد.
[42487]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: نجد.
[42488]:في ظ: قال.
[42489]:هذه الرواية من الشهرة والاستفاضة بحيث لا تفتقر إلى التعليق على مراجعها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} (80)

قوله تعالى : { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ 80 ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ 81 وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } { اسْتَيْأَسُواْ } ويئسوا بمعنى واحد . والسين والتاء زيادتا للمبالغة . والمعنى : أنهم بعد أن أيسوا من استرداد أخيهم من يوسف { خَلَصُواْ نَجِيًّا } { نجيا } ، منصوب على الحال ؛ أي اعتزلوا وانفردوا دون غيرهم ، لكي يناجي بعضهم بعضا . والنجي من التناجي والنجوى ، وهي المسارة ؛ فقد جلسوا معتزلين يتسارون فيما بينهم ، ينظرون ماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم بنيامين وما دهاهم فيه من الخطب الجلل .

قوله : { قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ } كبيرهم في السن أو العقل أو التدبير ، وما ، زائدة فيكون المعنى : أن أخاهم قال لهم : ألم تقطعوا على أنفسكم العهد واليمين من قبل هذا لتردن على أبيكم أخاكم بنيامين ومن قبل هذا فرطتم في يوسف أي قصرتم في حقه وشأنه{[2276]} .

قوله : { فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي } { أبرح } هنا تامة بمعنى أفارق ، و { الأرض } مفعول به{[2277]} ؛ يعني : لن أفارق مصر بل إني ماكث فيها حتى يأذن لي أبي بالرجوع أو يمكنني من أخذ أخي { وهو خير الحاكمين } الله خير من يحكم . وذلك لكمال علمه وعدله ، وعظيم رحمته وفضله .


[2276]:الدر المصون جـ 6 ص 539.
[2277]:الدر المصون جـ 6 ص 539.