نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (19)

ولما افترق حال من أجاب ومن أعرض في الجزاء ، وكان ما مضى مستوفياً طرق البيان بإيضاح الأمر بالجزيئات والأمثلة مع الترغيب والترهيب . فكان جديراً بترتيب الأثر عليه ، تسبب عنه الإنكار على من سوى بين العالم العامل وغيره التفاتاً إلى قوله { هل يستوي الأعمى والبصير } وسوى بين الحق والباطل التفاتاً إلى قوله { كذلك يضرب الله{[44057]} الحق والباطل } فحسن قوله : { أفمن } بفاء السبب { يعلم } علماً نافعاً هو عامل به { إنما } أي الذي { أنزل } أي وجد إنزاله وفرغ منه { إليك من ربك } أي المحسن إليك بأحسن التدبير { الحق } أي الكامل في الحقية ، فهو نير العين للبصر والقلب للاستبصار والاعتبار ، يهتدي{[44058]} بما يعلم إلى طريق الرشد فيسلكها ، وإلى طريق الغي فيتركها ، ويفهم الأشارات ، وينتفع بالأمثال السائرات ، كما يبصر بالبصر طريق النجاة من طريق الهلاك { كمن هو أعمى } لا بصر له{[44059]} ولا بصيرة ، لأنه لا يعمل{[44060]} وإن كان عالماً ، فهو لا ينتفع بالأمثال ، فكأنه قيل : لا يستويان مثلاً أصلاً ، ثم علل هذا الإنكار بقوله : { إنما } أي لأنه إنما يعلم ذلك بالتذكر ، وإنما { يتذكر{[44061]} } أي يطلب الذكر طلباً عظيماً فيعمل{[44062]} { أولوا } أي أصحاب { الألباب * } أي العقول الصافية الخالصة القابلة للتذكر بالتفكر في أن ما أنزل{[44063]} من عند الله ثابت الأركان راسي القواعد ، لا قدرة لأحد على إزالة معنى من معانيه ولا هدم شيء من مبانيه{[44064]} وأن{[44065]} ما عداه{[44066]} هلهل النسج{[44067]} رث القوى ، مخلخل الأركان ، دارس الرسم ، منطمس الأعلام ، مجهول المسالك ، مظلم الأرجاء ، جم المهالك ، وأما القلب الذي لا يرجع عن غيه لمثل هذا البيان فكأنه غير قابل للذكرى ، فاستحق أن يعد عدماً ، وأن يخص التذكر{[44068]} بالقلب ، ومن المعلوم أنه لا يستوي من له لب ومن لا لب له{[44069]} ؛ واللب والقلب : أجل ما في الشيء وأخلصه وأجوده{[44070]} .


[44057]:زيد من ظ و م ومد والقرآن الكريم.
[44058]:في ظ: يهدي.
[44059]:سقط من ظ و م ومد.
[44060]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا يعلم.
[44061]:تكرر في الأصل فقط.
[44062]:زيد بعده في الأصل: فهم، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[44063]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ينزل.
[44064]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد.
[44065]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد.
[44066]:من م، وفي الأصل: مهلهل النسخ، وفي ظ ومد: هلهل النسخ- كذا؛ وهلهل النسج: رديئه.
[44067]:من م، وفي الأصل: مهلهل النسخ، وفي ظ ومد: هلهل النسخ- كذا؛ وهلهل النسج: رديئه.
[44068]:في م ومد: المتذكر.
[44069]:زيد من م ومد.
[44070]:زيد بعده في الأصل: انتهى، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (19)

قوله تعالى : { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } الاستفهام للإنكاري . والمعنى المراد بيانه : أنه لا يستوي من آمن بالله وبما أنزل على رسوله فصدقه وأطاعه واتبع النور الذي أنزل معه –لا يستوي هذا ومن جحد واستكبر وصد الناس عن دعوة الحق وأبي غلا العتو والكفران . إنهما لا يستويان البتة ! أنى للماء الطهور الصافي ، والزبد الطائش المنتفش أن يستويا ؟ ! وأنى للجوهر الصافي المستصفي الثمين والخبث المنتفخ الفاسد أن يستويا ؟ !

أنى للعالم البصير ذي الفكر السديد والفطرة السوية السليمة ، أن يستوي ومن هو ضال أعمى ، دو قلب موصد وطبع كز ، وفطرة سقيمة ملتوية ؟ ! إنهما لا يستويان . وقيل : نزلت في حمزة وأبي جهل . وهذان صنفان من الناس مختلفان اختلاف الحق والباطل . فأولهما ودود وطيب وسجيح ، والآخر فاسد وكز ولئيم .

قوله : { إنما يتذكر أولوا الألباب } إنه لا يتدبر هذه الآيات المؤثرة الكريمة فيزدجر ويعتبر ، أو يتعظ ويذكر فيبادر التصديق والانقياد لأمر الله وشرعه إلا أولو العقول السلمية{[2345]} .


[2345]:البحر المحيط جـ 5 ص 375.