نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} (28)

ثم أبدل منهم { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف { وتطمئن قلوبهم } أي تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد الاضطراب بالشكوك لإيجادهم الطمأنينة بعد صفة الإيمان إيجاداً مستمراً دالاً على ثبات إيمانهم لترك العناد ، وهذا المضارع في هذا التركيب مما لا يراد{[44141]} به حال ولا استقبال ، إنما يراد به{[44142]} الاستمرار على المعنى مع قطع النظر عن الأزمنة { بذكر الله } الذي هو أعظم الآيات في أن المذكور مستجمع لصفات الكمال ، فالآية من الاحتباك : ذكر المشيئة أولاً دال على حذفها ثانياً ، وذكر الإنابة ثانياً دال على حذف ضدها أولاً .

ولما كان ذلك موضع أن يقول المعاند : ومن يطمئن بذلك ؟ قال{[44143]} : { ألا بذكر الله } أي الذي له الجلال والإكرام ، لا بذكر غيره { تطمئن القلوب * } فتسكن عن طلب آية غيره ، والذكر : حضور{[44144]} المعنى للنفس ، وذلك إشارة إلى أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلاً عن أن يكون في قلبه عقل ، بل هو من الجمادات ، أو إلى أن كل قلب يطمئن به ، فمن أخبر عن قلبه بخلاف ذلك فهو كاذب معاند ، ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو مؤمن ،


[44141]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا نزاد.
[44142]:سقط من م.
[44143]:زيد من ظ و م ومد.
[44144]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: حصول.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ} (28)

قوله : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ } { الذين } بدل من قوله : { من أناب } وتطمئن قلوبهم } ، أي تسكن وتركن إلى جناب الله وعند ذكره ؛ إذ تتذكر جلاله ورحمته ومغفرته وعظيم سلطانه فتستشعر في أعماقها الراحة والإحساس بالأمن والسكينة . وقيل : المراد بذكره القرآن ؛ فهو النظم العجيب المعجز الذي تتجلى فيه روائع شتى من كريم المعاني وحلاوة الإيقاع والنعم ، ونفاذ السحر الباهر الذي يفضي إلى أعماق القلوب ليكسب فيها الشرج والحبور .

قوله : { أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } الله حقيق بأن تطيب لفضله القلوب ، وتسكن لذكره وحده دون غيره من الشركاء والأنداد . الله حقيق أن تأنس بجلاله وبتلاوة قرآنه القلوب المستوحشة إذا غاب عنها المؤنسون من الخلان والأحباب . لا جرم أن الله وحده خير مؤنس للمرء في حالات العزلة والاحتباس ؛ إذ تحيط به لواعج الكآبة والتلهف . فإذا ما ذكر العبد المحزون ربه وحيدا وجد في نفسه وأعماقه ما يسري عنه الهم والحزن ، أو يكفكف عنه الإحساس بالضيق أو الوجل .