نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (116)

ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله ، وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه{[18714]} كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ثم حذر منهم وختم ما{[18715]} ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار {[18716]}التي هي{[18717]} أشرف آناء الليل ، وكان مما يمنع منه خوفُ الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار{[18718]} المفاخرين{[18719]} {[18720]}بالإكثار المعيرين{[18721]} بالإقلال من المال والولد وقوفاً مع الحال الدنيوي ، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد{[18722]} منهم{[18723]} في الآخرة{[18724]} ملء الأرض ذهباً ، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفاً أضداد{[18725]} من تقدم ، نافياً ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم{[18726]} - : { إن الذين كفروا } أي بالله{[18727]} بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقاً أو غيره { لن تغني عنهم أموالهم } أي{[18728]} وإن كثرت { ولا أولادهم } وإن عظمت { من الله } أي{[18729]} الملك الذي لا كفوء له { شيئاً } أي من الإغناء{[18730]} تأكيداً لما قرر{[18731]} من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان{[18732]} استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة{[18733]} - سواءً .

ولما كان التقدير : فأولئك هم الخاسرون ، عطف عليه قوله : { وأولئك أصحاب النار } أي هم مختصون بها ، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال : { هم فيها خالدون * }


[18714]:من ظ ومد، وفي الأصل: نبته.
[18715]:في ظ: بما.
[18716]:في ظ: الذي هو.
[18717]:في ظ: الذي هو.
[18718]:في ظ: الكافرين.
[18719]:من مد، وفي الأصل وظ: الفاخرين.
[18720]:في ظ: بالاكبار المعبر ـ كذا.
[18721]:في ظ: بالاكبار المعبر ـ كذا.
[18722]:في ظ: الجد.
[18723]:سقط من مد.
[18724]:سقط من مد.
[18725]:من ظ ومد، وفي الأصل: صداد.
[18726]:من ظ وفي الأصل: نفعهم، وفي مد: بنفعهم.
[18727]:سقط من ظ.
[18728]:سقط من ظ.
[18729]:زيد من ظ ومد.
[18730]:في ظ: الاعناق.
[18731]:في ظ: تقرر.
[18732]:من ظ ومد، وفي الأصل: الأموال.
[18733]:راجع آية 10.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (116)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكناهم وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون )

بعد أن بين الله حال المؤمنين من أهل الكتاب وما أعده لهم من الخير وحسن الجزاء ، توعد الله الآخرين الفاسقين من أهل الكتاب الذين كفروا بدعوة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه و سلم توعدهم بأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم في الآخرة ولن تدفع عنهم عذاب الله في هذا اليوم العصيب .

ولئن حسب الإنسان أن بماله وولده ناج من البلايا والنوائب لما يجد في ذلك من عون له على دفع ما يصيبه من مكروه ، أو حسب وهو يحوطه المال والولد أنه يتفيأ ظلال الأمن والرخاء فلا يعتوره بعد ذلك هم ولا قلق ، لئن كان كذلك فلا ريب أنه موغل في الوهم والغفلة ، وسادر في الغي وهوان التفكير . إن ذلكم الخاسر لسوف تحيط بهم القواصم الفواقر وهو موقوف على ربه ليناقش الحساب . وإذ ذاك يغيب عنه الأعوان والأموال ويذهل عنه الصحب والخلان فلا يبرح حتى يهوي في النار مع الخالدين .

أما ما ينفقه الكافرون من أموال في وجوه الخير والإصلاح والتعمير بما ينفع الناس فلا جرم أن ذلك كله في ميزان الله باطل وحابط . ولئن كان في إنفاقهم ما يجر للناس نفعا كبناء الجسور وإصلاح الطرقات وإطعام الجياع وإغناء العالة والمحاويج فليس لذلك أيما اعتبار أو قيمة ما دام هؤلاء المنفقون سادرين في الكفر ؛ إذ لا يقبل الله من الكافرين أعمالهم ، بل إنهم في زمرة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة . وقد شبه الله إنفاقهم وأعمالهم التي أتى عليها الحبوط برزع قد عصفت به ريح شديد هو جاء فيها صرّ يصرّ صريراً أي صاح صياحا شديدا ، والصرة بالفتح تعني الصيحة{[570]} . وقيل : الصر بمعنى النار الحارقة وإنما وصف بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب .

وتقدير الكلام أن إنفاق الكافرين والمنافقين لا وزن له ولا قيمة ، بل إن ما أنفقوه أشبه بريح باردة أو حارقة أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفران والضلال فأهلكته إهلاكا . وتلك عاقبة المجرمين الذين لم يظلمهم الله ولكنهم ظالمون لأنفسهم بإيرادها في الكفر والحبوط وضلال الأعمال ، وهذا هو مقتضى قوله تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) .


[570]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 71