نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (117)

ولما كان ربما قيل : فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم ؟ ضرب لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً ، ضائعاً وإن كثر بوراً{[18734]} ، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً ، بقوله سبحانه وتعالى جواباً لهذا السؤال : { مثل ما ينفقون } أي من المال ، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال{[18735]} : { في هذه الحياة الدنيا } أي على وجه القربة أو غيرها ، لكونهم {[18736]}ضيعوا الوجه الذي به{[18737]} يقبل{[18738]} ، وهو الإخلاص . و{[18739]}مثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح { كمثل ريح فيها صر } أي برد شديد { أصابت حرث قوم } موصوفين بأنهم { ظلموا أنفسهم } أي بالبناء على غير أساس الإيمان { فأهلكته } فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج{[18740]} ما أرادوا {[18741]}في الدنيا{[18742]} وضرهم في الدارين ، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء ، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به ، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين ، بل ضرهم{[18743]} في الدنيا بضياعه ، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد{[18744]} ، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه ، فلما كانت الريح الموصوفة أمراً مشاهداً{[18745]} جلياً جعلت في إهلاكها مثلاً لضياع انفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي ، ولما كان الزرع المحترق أمراً محسوساً جعل فيما حصل له بعد{[18746]} التعب من{[18747]} العطب مثالاً لأمر{[18748]} معقول ، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئاً غير الخسارة والتعب{[18749]} ، فالمثلان ضياع الزرع والإنفاق ، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع{[18750]} الإنفاق لأنه أخفى ، وقد بان أن الآية من الاحتباك : حذف أولاً مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه ، وثانياً الحرث لدلالة ما ينفق عليه .

ولما كان سبحانه وتعالى موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس{[18751]} : { وما ظلمهم } أي الممثل بهم والممثل لهم { الله } الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى{[18752]} المطلق لأنه المالك المطلق ، وقد كفروا ، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه ، وأما الممثل بهم{[18753]} فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات ، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات ، ثم قال : { ولكن } ولما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم{[18754]} من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه{[18755]} الجبلة من فعل الكون وقال : { أنفسهم } أي خاصة { يظلمون } فأفاد أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بتضييعهم{[18756]} الأساس بكفرهم ، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم ، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر{[18757]} لإنفاقهم نكاية في عدوهم ، فإن العاقبة لما{[18758]} كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم ، بل هي زيادة في وبالهم ، فهي{[18759]} من ظلمهم لأنفسهم .


[18734]:في ظ: بوارا.
[18735]:سقط من ظ.
[18736]:العبارة من هنا إلى "وهو الاخلاص" سا قطة من مد.
[18737]:سقط من ظ.
[18738]:في ظ: تقبله.
[18739]:سقط من ظ.
[18740]:في ظ: باتباع.
[18741]:سقط من ظ.
[18742]:سقط من ظ.
[18743]:في ظ: غيرهم.
[18744]:في الأصول: الفاسدة.
[18745]:في ظ: شاهدا.
[18746]:في ظ: هذا.
[18747]:في ظ: عن.
[18748]:في ظ: لا أمر.
[18749]:في ظ: النعت.
[18750]:في ظ: الضياع.
[18751]:من ظ ومد، وفي الأصل: يحسن ـ كذا.
[18752]:من مد، وفي الأصل: لغنى الغنى، وفي ظ: المغتن.
[18753]:في ظ: لهم.
[18754]:في ظ: عم.
[18755]:في ظ: يقتضيه.
[18756]:في ظ: بتضيعهم.
[18757]:في ظ: أظهر.
[18758]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[18759]:في ظ: وهي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (117)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكناهم وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون )

بعد أن بين الله حال المؤمنين من أهل الكتاب وما أعده لهم من الخير وحسن الجزاء ، توعد الله الآخرين الفاسقين من أهل الكتاب الذين كفروا بدعوة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه و سلم توعدهم بأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم في الآخرة ولن تدفع عنهم عذاب الله في هذا اليوم العصيب .

ولئن حسب الإنسان أن بماله وولده ناج من البلايا والنوائب لما يجد في ذلك من عون له على دفع ما يصيبه من مكروه ، أو حسب وهو يحوطه المال والولد أنه يتفيأ ظلال الأمن والرخاء فلا يعتوره بعد ذلك هم ولا قلق ، لئن كان كذلك فلا ريب أنه موغل في الوهم والغفلة ، وسادر في الغي وهوان التفكير . إن ذلكم الخاسر لسوف تحيط بهم القواصم الفواقر وهو موقوف على ربه ليناقش الحساب . وإذ ذاك يغيب عنه الأعوان والأموال ويذهل عنه الصحب والخلان فلا يبرح حتى يهوي في النار مع الخالدين .

أما ما ينفقه الكافرون من أموال في وجوه الخير والإصلاح والتعمير بما ينفع الناس فلا جرم أن ذلك كله في ميزان الله باطل وحابط . ولئن كان في إنفاقهم ما يجر للناس نفعا كبناء الجسور وإصلاح الطرقات وإطعام الجياع وإغناء العالة والمحاويج فليس لذلك أيما اعتبار أو قيمة ما دام هؤلاء المنفقون سادرين في الكفر ؛ إذ لا يقبل الله من الكافرين أعمالهم ، بل إنهم في زمرة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة . وقد شبه الله إنفاقهم وأعمالهم التي أتى عليها الحبوط برزع قد عصفت به ريح شديد هو جاء فيها صرّ يصرّ صريراً أي صاح صياحا شديدا ، والصرة بالفتح تعني الصيحة{[570]} . وقيل : الصر بمعنى النار الحارقة وإنما وصف بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب .

وتقدير الكلام أن إنفاق الكافرين والمنافقين لا وزن له ولا قيمة ، بل إن ما أنفقوه أشبه بريح باردة أو حارقة أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفران والضلال فأهلكته إهلاكا . وتلك عاقبة المجرمين الذين لم يظلمهم الله ولكنهم ظالمون لأنفسهم بإيرادها في الكفر والحبوط وضلال الأعمال ، وهذا هو مقتضى قوله تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) .


[570]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 71