نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا} (151)

فأنتج ذلك : { أولئك } أي البعداء{[23177]} البغضاء { هم الكافرون } أي الغريقون في الكفر { حقاً{[23178]} } ولزمهم الكفر بالجميع لأن الدليل على نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل منه مثل ذلك الدليل ، وحيث جوز حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال به{[23179]} على شيء كالمعجزة ، فلزم حينئذ الكفر بالجميع ، فثبت أن من كذب بنبوة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزمه الكفر بجميع الأنبياء{[23180]} ، ومن لزمه الكفر بهم لزمه الكفر بالله وكل ما جاء به .

ولما كان التقدير : فلا جرم أنا أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذاباً مهيناً ، عطف عليه تعميماً{[23181]} : { وأعتدنا للكافرين } أي جميعاً { عذاباً مهيناً * } أي{[23182]} كما استهانوا ببعض الرسل وهم الجديرون بالحب والكرامة ، والآية شاملة لهم ولغيرهم ممن كان حاله كحالهم ، وإيلاء ذلك بيان أحوال{[23183]} المنافقين أنسب شيء وأحسنه{[23184]} للتعريف بأنهم منافقون ، من حيث أنهم يظهرون شيئاً من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويبطنون{[23185]} غيره وإن كان ما{[23186]} يظهرونه على الضد مما يظهره{[23187]} المنافقون ، وبأنهم هم الذين أضلوا المنافقين ، وللتحذير من أقوالهم وتزييف ما حرفوا من محالهم ، وفي ذلك التفات إلى أول هذه القصة

{ يا أيها الذين ءامنوا ءامِنوا بالله ورسوله }[ النساء : 136 ] .


[23177]:زيد بعده في ظ: أي.
[23178]:زيد بعده في ظ: أي.
[23179]:زيد من ظ ومد.
[23180]:زيد من ظ ومد.
[23181]:من ظ ومد، وفي الأصل: نعيما
[23182]:سقط من ظ.
[23183]:في ظ: حال.
[23184]:في ظ: الحسنة.
[23185]:في ظ: يعلنون.
[23186]:من ظ ومد، وفي الأصل: مما.
[23187]:في ظ: يظهر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا} (151)

( أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) واسم الإشارة يعود على الذين يكفرون بالله ورسله ، ويفرقون بين كل من الإيمان بالله والإيمان برسله ، ويكفرون ببعض ثم يظنون – واهمين- أنهم على الحق لاتخاذهم في ذلك سبيلا وسطا .

وهؤلاء قد وصمتهم الآية بالكفر الصراح من خلال تعبير حاسم لا يعرف المداهنة أو اللين في مثل هذا الموقف فقال سبحانه : ( الكافرون حقا ) وذلك تأكيد قاطع على أن هؤلاء كافرون كفرانا كاملا كيلا يتغرر بهم أحد فيتوهم أنهم على شيء من الإيمان ؛ لأنهم يصدقون بعض النبيين . وقوله : ( حقا ) منصوب على الصدر . وعامله محذوف . أي حق ذلك حقا . وقيل : حقا صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا كفرا حقا لا ريب فيه . وهذه القضية بالذات يعاني منها الدعاة إلى الله ، الذين يحملون عقيدة الإسلام عن وعي وثقة عميقين في هذا الزمان وهي أن كثيرا من الذين يحملون عقيدة الإسلام عن وعي وثقة عميقين في هذا الزمان وهي أن كثيرا من المخدوعين الجهلة يفترون على الله الكذب وهم يصدرون الفتوى الضالة بأن أهل الكتاب مؤمنون وأنهم ليسوا كافرين . ذلك افتراء جاهل وكذاب وخبيث لا يقوله إلا جهلة مضللون أو معاندون معرضون من خصوم الإسلام الذين ينتشرون في جنبات الأرض في كل زمان . ونود أن نذكر في حسم قاطع أن أهل الكتاب ليسوا مسلمين ولا مؤمنين . فإن المؤمن كما يصوره الإسلام هو الذي آمن بالنبيين والمرسلين جميعا من غير أن يجحد نبوة أحد منهم . وإذا لم يكن كذلك فهو في شرع الإسلام كافر .

وقوله : ( واعتدنا للكافرين عذاب مهينا ) أي هيأنا لهم يوم القيامة عذابا يعانون فيه مرارة الويل والمهانة ؛ وذلك جزاء جحدهم بعض النبيين وهم يظنون أنهم مؤمنون لإيمانهم ببعض النبيين . والصحيح أن هذا النوع من الإيمان لا يغنيهم شيئا ولا يدفع عنهم وصمة الكفر ولا يرد عنهم سوء العاقبة حيث الجحيم الحارق الذي تصطلي فيه جلودهم وأبدانهم .