فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق{[23291]} ، وأكثر من التقدم في حفظ العهد ؛ بين أنهم نقضوا ، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال : { فبما } مؤكداً بإدخال " ما " { نقضهم ميثاقهم } أي فعلنا بهم{[23292]} بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي ، وقد تقدم كثير منه في القرآن ، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي " حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا " ويكون من الطيبات العز ورغد العيش ، وذلك جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به{[23293]} العناية من إفراده عطف الخاص على العام فقال : { وكفرهم بآيات الله } مما جاءهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء ، فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام لأنه{[23294]} أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض { وقتلهم الأنبياء } وهو أعظم من مطلق كفرهم ، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم ، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو{[23295]} السبب {[23296]}محو المسبب{[23297]} .
ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة ، ومبرئين من كل دنية ، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه ؛ قال{[23298]} : { بغير حق } أي كبير ولا صغير أصلاً . وهذا الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق{[23299]} عليه ، لأن هذا مع جمع{[23300]} الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقاً وصفة راسخة ، بخلاف ما مضى ، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض ؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال : { وقولهم قلوبنا غلف } أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدةً عن فهم مثل ما يقول الأنبياء ، لكونها في أغشية ، فهي شديدة الصلابة ، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم ، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم ، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء ، ويصفون بأشهر صفاته ، ويترقبون إتبانه ، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفاً على ما تقديره : وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان ، فلم تكن{[23301]} قلوبهم في الأصل غلفاً : { بل طبع الله } أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة { عليها } طبعاً عارضاً{[23302]} { بكفرهم } بل{[23303]} إنه خلقها أولاً على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر ، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير ، واختاروا{[23304]} الشر باتباع{[23305]} شهواتهم الناشئة من نفوسهم ، وترك{[23306]} ما تدعو إليه عقولهم ، طبع سبحانه وتعالى عليها .
فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته ، ولذا{[23307]} سبب عنه قوله : { فلا يؤمنون } أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية ، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم : طبع الله عليها فهي لا تعي{[23308]} ، وتكون " بل " استدراكاً للطبع بالكفر{[23309]} وحده ، لأنه ربما انضم إليه ، وأن يكون أضرب عن قولهم : إنها في غلف ، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف{[23310]} إلى الطبع الذي من شأنه الدوام { إلا قليلاً * } من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً{[23311]} كوجه النهار{[23312]} ويكفروا{[23313]} في غيره ، ويؤمنوا{[23314]} ببعض ويكفروا ببعض ، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان{[23315]} أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات ، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما{[23316]} هو مذكور في توراتهم{[23317]} التي بين أظهرهم ، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب ، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران .
قوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) . قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) أي بسبب نقضهم ميثاقهم الذي قطعوه على أنفسهم . وما هنا زائدة وذلك كقوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) والميثاق الذي أخذوه على أنفسهم هو أن يعترفوا بنبوة محمد ( ص ) عند ظهوره ، وأن يعلنوا إيمانهم به ويصدقوه لما يعلمونه من صفاته قبل مجيئه . على أن ثمة جرائم وأفاعيل ارتكبها اليهود طيلة حياتهم كنقضهم للميثاق وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وغير ذلك من جرائم كانت سببا في أخذهم بالصاعقة مثلما بينا آنفا . وميثاقهم مفعول به منصوب للمصدر ( نقضهم ) الذي ينوب مناب الفعل{[853]} .
وقوله : ( وكفرهم بآيات الله ) المقصود بآيات الله البراهين والمعجزات التي تحققت على أيدي النبيين من بني إسرائيل . وقيل هي الكتب السماوية المنزلة على أنبيائهم والتي حرفوها وبدلوها تبديلا فباتت كتبا مزيفة محرفة .
وقوله : ( وقتلهم الأنبياء بغير حق ) الأنبياء مفعول به منصوب للمصدر ( وقتلهم ) الذي ينوب مناب الفعل ، وتلك جريمة نكيرة من جرائم شتى اركبها اليهود على امتداد حياتهم ، وهي جريمة غليظة كبرى اقترفها اليهود وهم يعتدون على أنبياء الله ليسومهم التعذيب والتقتيل . وليت الأمر اقتصر على واحد أو اثنين من النبيين يقتلان ، ولكنهم كانوا يقتلون منهم بالجملة حتى ذكر أنهم كانوا يقتلون من النبيين بالعشرات في يوم واحد . وتلك جريمة فظيعة تأتي في طليعة الجرائم والموبقات التي يهتز لها عرش الرحمن ! !
يا لله لهذا الذنب العظيم الذي يجترحه فريق أثيم من بني إسرائيل وهم يعتدون على صفوة طاهرة من خير العباد وهم النبيون المرسلون ، إذ كانوا يأتمرون بهم ليقتلوهم . ومعلوم ما في كتب الله ودياناته من تنديد مغلّظ بالقتل ومن تبشيع صارخ لمثل هذا الذنب الموبق . وهو ذنب يستوجب سخط الله وغضبه فيما يجرجر القاتل الأثيم في نار جهنم ! ! .
وقوله : ( بغير حق ) تأكيد للظلم الذي وقع فيه بنو إسرائيل وهم يعتدون على رسل الله بالقتل . ومع أن مجرد العدوان عليهم بالقتل يعتبر غاية الظلم والخطيئة والباطل ، وإنه النكر البالغ الذي يدنو دونه كل نكر أو خطيئة . وهو من الفظاعة المكشوفة التي تقتضي برهانا- مع ذلك فإن الآية تؤكد بأجلى عبارة ( بغير حق ) .
وقوله : ( وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) عندما دعوا إلى الإيمان بالقرآن ونبي الله محمد ( ص ) قالوا مقالتهم : ( قولبنا غلف ) أي قلوبنا داخل غلاف ، فهي مجللة بالغطاء فلا تعي ما يقال لها . وذلك كقوله عنهم في آية أخرى : ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) أي قلوبهم يغطيها الكنان الواقي الذي يحول دون السماع أو الوعي . وقيل : غلف مفردها غلاف فيكون المعنى أن قلوبنا أوعية للعلم . فقد تحصّل لنا من العلم ما وعته قلوبنا بالقدر الوافي فنحن في غنى عن أي علم جديد . والذي يظهر أن الأول أصوب فإن قلوبهم كانت الغطاء الحاجب فلا تؤمن ولا تعي ، ويرجح ذلك قوله تعالى بعدها : ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) فليس صحيحا ما زعموه من احتوائهم للعلم الوافي وأنهم مستغنون عن أحد غيرهم يأتيهم بعلم ، ولكنهم قد عموا وصموا وتحجرت طبائعهم ونفوسهم ، واستعصى الفهم والوعي على عقولهم وقلوبهم ، فباءت بالانكماش والشلل والكزازة ؛ فاستحقت بذلك أن يطبع الله عليها بالختم فتظل آيسة مبلسة لا يغنيها ما زعمته من علم وما تظنه من إيمان ببعض الأنبياء ، وهو إيمان قليل لا ينجي ولا ينفع .
وقوله : ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) قليلا منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف . أي لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، وصار إيمانهم قليلا ؛ لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به ، ولكن صدقوا ببعض النبيين وببعض الكتب وكذبوا ببعض ، فهم مصدقون من وجه ومكذبون من وجه آخر ومثل هذا الإيمان لا يجدي وليست له قيمة ؛ لأن الكفر ببعض كفر بالكل .