ولما أخبر تعالى بما على{[23200]} المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة ، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص{[23201]} بن عازورا من اليهود قالا كذباً : إن كنت نبياً فأتنا بكتاب{[23202]} جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك{[23203]} ، فأنزل الله تعالى موبخاً لهم على هذا الكذب مشيراً إلى كذبهم فيه موهياً لسؤالهم محذراً من غوائله مبيناً لكفرهم بالله ورسله : { يسألك } .
ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله{[23204]} ، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات ، وأن العرب لم يمكنهم{[23205]} الطعن فيه على وجه يمكن قبوله ، فوجهوا مكايدهم نحوه بهذه الشبهة ونحوها ، زيفها سبحانه وتعالى أتم تزييف ، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة ، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله : { أهل الكتاب } إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح { أن تنزل عليهم } أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم { كتاباً من السماء } ؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها{[23206]} منهم من أراد الله تعالى {[23207]}من أهل الإسلام{[23208]} ، ظناً منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله{[23209]} ، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله : { إنا أوحينا إليك } - الآية كما سيأتي بيانه ، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل{[23210]} جملة ، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة .
ولما كان هذا مما يستعظمه النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له صلى الله عليه وسلم أن عادتهم التعنت ، وديدنهم {[23211]}الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع ، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن ، وأنهم على شريعته ، {[23212]}وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم{[23213]} من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه{[23214]} من القوارع والعفو فقال : { فقد } أي إن تستعظم{[23215]} ذلك فقد { سألوا } أي{[23216]} آباؤهم ، {[23217]}أي وهم{[23218]} على نهجهم{[23219]} في التعنت فهم شركاؤهم { موسى } لغير داع سوى التعنت { أكبر } أي أعظم { من ذلك } أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من{[23220]} علمها الإيمان بك والتأديب معك ، ثم بينه بقوله : { فقالوا أرنا الله } أي الملك الأعلى الذي لا شبيه{[23221]} له ، وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته { جهرة } أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر ، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً ، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات ، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات{[23222]} بالأسباب وبنائها عليها ، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها ، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها ، وأعظم تثبيتاً{[23223]} للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه ، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه{[23224]} - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت ، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله : { فأخذتهم } أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة { الصاعقة } أي نار نزلت من السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب{[23225]} إليه - صاعقة ، فأهلكتهم { بظلمهم } أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره ، لكونه تعنتاً من غير مقتض له أصلاً ، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة { ثم } بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة { اتخذوا العجل } أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه .
ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال : { من بعد } وأدخل الجار إعلاماً بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان {[23226]}البعد ، بل تابوا{[23227]} عنه { ما جاءتهم البينات } أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات { فعفونا } أي على ما لنا من العظمة { عن ذلك } أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم{[23228]} { وآتينا } أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة { موسى سلطاناً } أي تسلطاًَ{[23229]} واستيلاء قاهراً { مبيناً * } أي ظاهراً فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال ، وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمداً صلى الله عليه وسلم على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط .
قوله تعالى : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) . ذلك في تعنت اليهود وكيدهم للإسلام ونبيه وأهله . وهو تعنت فاجر يكشف عن طبائع هؤلاء الناس الذين يستمرئون الكيد والعناد والشطط طيلة حياتهم وفي كل سلوكهم وتعاملهم مع الآخرين . وهنا تكشف الآية الكريمة عن شطر من هذه الطبائع الشاذة التي يخالطها اللّي والمرض بغير مبارحة . فقد سألوا النبي محمدا ( ص ) أن ينزل عليهم من السماء كتابا ليس مفرقا ، بل جملة واحدة يتضمن تصديقا له فيطلع عليه الناس . وذكر أيضا أنهم سألوه إنزال هذا الكتاب على هيئة نسخ مكتوبة إلى فلان وفلان من الناس فيرونه عيانا ليؤمنوا ويصدقوا بما جاءهم به من رسالة .
وفي قول آخر أشد نكرا وهو أنهم سألوه ( ص ) أن يصعد إلى السماء بنفسه وهم ينظرون إليهم ثم يعود إليهم بكتاب من عند الله فيه تصديق له . وذلك هو التعنت الجاحد المكابر والتحدي الفاخر الذي لا يستند إلى منطق ولا خلق إلا اللجوج والعتوّ والصلف . إنه منطق الفاجرين الحمقى وخلق المعاندين والمرضى في غير ما اعتدال ولا اتزان لا في الطلب ولا في السؤال ولا في الاقتضاء ولا في التخاطب ولا في غير ذلك من أساليب السلوك والتعامل . والمسألة لا تحتمل مثل هذا العنت والجحد ولا مثل هذا السؤال الفاجر الخصيم ، لو كانت الطبائع سليمة سوية أو كانت النفس مبرأة من اللّىّ والمرض . وكل الأمر أن رجلا من الناس قد أوحي إليه فاحتمل أمانة التبليغ والإرشاد ، مع أنه في شخصه وسلوكه وسيرته وفي مجموع طبائعه وسجاياه يزجي بأوفى الدلالة على أنه نبي مرسل . ومعلوم لكل ذي لب أن من يحتمل الكذب لا جرم أن تتبدى في شخصه علائم الكذب ولو بعد حين ، لكن هذا النبي الأمي ( ص ) كانت تتجلى في خلقه وسلوكه وخطابه أجلى معاني الصدق والأمانة والطهر بما يبعث على اليقين الأوفى أنه رسول كريم وأنه نبي أمين .
لم يثبّت الله نبيه بالقول الثابت وهو يبين له عن سؤال من اليهود لنبيهم موسى كان أشد نكرا مما سألوه ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) وهو سؤال لا جرم أن يكون أشد فظاعة ونكرا وأشد عتوا واجتراء على الباطل والاستكبار ، فقد سألوا نبيهم موسى أن يطلعهم على الله جهارا عيانا ودون حجاب . وذلكم سؤال مقبوح ومرفوض من الوجهة الدينية التي تستند إلى الوحي والعقل . فرؤية العبد لله لا تتحقق وذلك بالنظر لطبيعة الإنسان التي فطر عليها فهو ذو طبيعة نفسية وروحية وعضوية لا تتيسر له بموجبها حقيقة الرؤية لربه ، وذلك مطلب كبير وخطير لا يقوى على إطاقته واحتماله إلا من كان ذا طبيعة أخرى طبيعة تتضافر فيها أسباب القوة والاحتمال والتماسك إذا ما تجلى الله للإنسان . غير أن هذه الطبيعة على نحوها وتركيبها الحاليين لا تقتدر أن ترى الله جهرة . ومن جهة أخرى فإن الإجتراء على مثل هذا الطلب ينافي أدنى مقادير التواضع الذي تفرضه العقيدة الكريمة السمجة أو ينافي ظاهرة الخوف من الله أو الخضوع له إذ لا يجترأ على مثل هذا الطلب الفاسق إلا لئيم جاحد أو عتل أثيم ؛ ولذلك قد استوجب اليهود أن يحيق بهم عذاب من الله جزاء شركهم وعتوهم . فقال سبحانه : ( فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) والصاعقة هي نار تسقط من السماء مقترنة بصيحة الرعد العاتية المدمرة وقوله : ( بظلمهم ) أي بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم الفاجر الكنود .
وقوله : ( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات ) بعد أن بعثهم الله عقيب أخذهم بالصاعقة ، وبعد أن نجاهم الله من طغيان فرعون وإغراقه في اليم ، وبعد أن جاوزوا البحر سالمين آمنين رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم فقالوا لنبيهم موسى عليه السلام : ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) وذلك بيان لقوله هنا : ( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات ) فإنه رغم معرفتهم بفظاعة الإشراك واشتداد غضب الله على المشركين بالرغم من ذلك كله فقد سألوا نبيهم موسى أن يجعل لهم إلها . وتلك غاية الصفاقة والحماقة والعمه ، وغاية ما يبلغه الجاحد من استهتار وفسق وتوقح .
لكن رحمة الله أكبر من كل خطيئة وأوسع من الأرض والسماء والكائنات ، فإن رحمته وسعت كل شيء حتى وسعت كفران بني إسرائيل وعتوهم وتمردهم على ربهم بالرغم مما قارفوه من فظائع نكيرة من قتل وإفساد وتقديس للعجل ومطالبة عاتية برؤية الله جهرة ، إنه مع ذلك كله امتن الله على هؤلاء القوم فغفر لهم ( فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ) فقد عفا الله عن بني إسرائيل بما ارتكبوه من خطيئات ، وكذلك قد ثبت الله نبيه وكليمه موسى ثتبيتا مبينا بما آتاه من حجج وبراهين وهي الآيات الباهرات الدالة على صدق نبوته ورسالته .