ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في آياته بما هي منزهة عنه ، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم ، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد عذاب المنافقين ، وحث{[23133]} على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم ؛ أخبر أنه يبغض{[23134]} خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس{[23135]} به ، و{[23136]}كذا كل{[23137]} جهر بسوء إلا ما استثناه ، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق{[23138]} عبوديته ، فقال معللاً ما مضى قبل افتتاح{[23139]} أمر المنافقين من الأمر بإحسانه التحية : { لا يحب الله } أي المختص بصفات الكمال { الجهر } أي ما يظهر فيصير في عداد الجهر { بالسوء } أي{[23140]} الذي يسوء ويؤذي { من القول } أي لأحد كائناً من كان ، فإن ذلك ليس من شكر الله تعالى في الإحسان إلى عباده وعياله ، ولا من شكر الناس في شيء ولا يشكر الله من لا يشكر الناس { إلا من } أي جهر من { ظلم } أي{[23141]} كان من أحد من الناس ظلم إليه كائناً من كان فإنه يجوز له الجهر بشكواه والتظلم منه والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي .
ولما كان القول مما يسمع ، وكان من الظلم ما قد يخفي ، قال مرغباً مرهباً : { وكان الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { سمعياً } أي لكل ما يمكن سماعه من جهر وغيره { عليماً * } أي بكل ما يمكن أن يعلم فاحذروه لئلا يفعل بكم فعل الساخط ، وجهر ومن ظلم - وإن كان داخلاً فيما يحبه الله تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلاً - لكن جعله {[23142]}من جملة{[23143]} السوء وإن كان من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة ، وهي نهي{[23144]} الفطن عن تعاطيه وحثه على العفو ، لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على أي وجه كان إطلاقه - كف عنه إن كان موفقاً .
قوله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ) الجهر بالشيء يعني الإعلان به والإظهار له . جهر بالقول أي رفع صوته به . والتقدير : لا يحب الله أن يعلن أحد بالسوء من القول إلا جهر من ظلم . وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره . بما فيه من السوء . فإن من مكارم أخلاق المسلم ألا يجهر أمام الناس بالسوء من القول ، لكنه إن كان مظلوما فلا جناح عليه حينئذ أن يكشف عما حاق به من ظلم في مجاهرة مسموعة . على أن جمهرة كبيرة من المفسرين يذهبون إلى أن المراد بالسوء من القول هو الدعاء . إذ لا يحب الله للمؤمن أن يعجل فيدعو على غيره إلا أن يظلمه فإن ظلمه فله أن يجهر بالدعاء عليه . وفي المعنى أخرج أبو داود عن عائشة قالت : سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال رسول الله ( ص ) : " لا تسبخي عنه " والتسبيخ هو التخفيف والمراد بالحديث ألا تخفف من عقوبة السارق بدعائها عليه .
وقال الحسن البصري في معنى الآية : لا يدعو عليه وليقل اللهم أعنّي عليه وأستخرج حقي منه . وروي عنه أيضا جواز الدعاء من المظلوم على من ظلمه ، فالسوء من القول هو الدعاء على من يظلم الناس .
وذهب بعض العلماء إلى إدراج حق الضيافة في مدلول الآية باعتبار أن الضيف له حق الضيافة عند مضيفه ، فإن على المضيف أن يُقري ضيفه ، ويتحفه بالتكريم والعناية وإذا لم يؤد له هذا الحق بات الضيف مظلوما وله عند ذلك أن يجهر بالتشهير بمثل هذا الظلم ، وذلك من باب الجهر بالسوء من القول ، وقيل غير ذلك{[849]} .
وجملة القول أن يتسامى المؤمن عن القول السيئ في كل الظروف والأحوال إلا أن يكون مظلوما ، فإن كان كذلك فله أن يجهر بالكشف عن ظلمه وعما حاق به من ظلامة . يؤيد ذلك قوله في آية أخرى : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) .
وقوله : ( وكان الله سميعا عليما ) ذلك تخويف لمن يحتمل للناس ظلما ولمن يتجاوز في الجهر بالسوء من القول إذا ما وقع عليه ظلم . أي أن ذلك تحذير للظالم كيلا يظلم ، وللمظلوم كيلا يتعدى الحد في الانتصار لنفسه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.