نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ} (137)

ولما كان هذا متضمناً لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها لمن لا يستحقها ، نبه تعالى على أن ذلك تزيين{[31353]} من أضلهم من الشياطين من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم ، فقال منبهاً على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه { وكذلك } أي ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم { زين لكثير من المشركين } .

ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه ، فكان امتثال قوله غريباً ، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة ، قدمه تنبيهاً على ذلك فقال : { قتل أولادهم } أي بالوأد خشية الإملاق والنحر لآلهتهم ، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا يكون إلا سبباً في إعدامه ؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال : { شركاؤهم } أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام .

ولما كان هذا أمراً معجباً ، كان الأمر في قراءة ابن عامر المولود{[31354]} في زمان النبي صلى الله عليه وسلم المشمول{[31355]} ببركة{[31356]} ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة الموصوف{[31357]} بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في{[31358]} إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب ، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب .

ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم ، ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك أعجب فقال : { ليردوهم } أي ليهلكوهم هلاكاً لا فائدة فيه{[31359]} بوجه { وليلبسوا } أي يخلطوا ويشبهوا { عليهم{[31360]} دينهم } أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما أقدم عليه إلاّ بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه ، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معاً فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين : في النفس والدين ، فان القتل في نفسه عظيم جداً ، ووقوعه تديناً بغير أصل ولا شبهة أعظم ، فلا أضل ممن تبع من كان سبباً لإهلاك نفسه ودينه .

ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة{[31361]} ، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم ، يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة ، فأنتم أسفل منهم ؛ ولما أثبت للشركاء فعلاً هو التزيين ، وكان قد نفي سابقاً عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به ، وأناط{[31362]} الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية ، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء ، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة والجلال فقال : { ولو شاء الله } أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد {[31363]}والتنزه{[31364]} عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله المشركون { ما فعلوه } أي ذلك الذي زين{[31365]} لهم ، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئته احتراساً من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالاً ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً ، وأكد التسلية بقوله : { فذرهم وما يفترون * } أي يتقولون{[31366]} من الكذب ويتعمدونه .


[31353]:في ظ: بتزيين.
[31354]:من ظ، وفي الأصل: المولد.
[31355]:من ظ، وفي الأصل: المشمولة.
[31356]:في ظ: بنظر- كذا.
[31357]:سقط من ظ.
[31358]:زيد من ظ.
[31359]:من ظ، وفي الأصل: تحته.
[31360]:من ظ والقرآن الكريم، وسقط من الأصل.
[31361]:زيدت الواو بعده في ظ.
[31362]:من ظ، وفي الأصل: ناط.
[31363]:من ظ، وفي الأصل: النيرة- كذا.
[31364]:من ظ، وفي الأصل: النيرة- كذا.
[31365]:في ظ: زينه.
[31366]:في ظ: ينقلبون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ} (137)

قول تعالى : { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } الكاف في محل نصب صفة للمصدر . والتقدير : مثل ذلك التزيين الذي زينه الشيطان للمشركين في قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم ، زين لهم قتل أولادهم شركاؤهم . وشركاؤهم هنا فاعل . والمراد بشركائهم هنا الشياطين . وقيل : الغواة من الناس . وكلهم في بشاعة الأفاعيل وفظاعة النكر شياطين يضلون الناس عن سواء السبيل . والمعنى : أنه مثلما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين السفهاء أن يجعلوا لله مما خلق من الحرث والأنعام نصيبا ، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ( الفقر ) وكذلك زينوا لهم وأد البنات خوفا من العار . فقد أمرتهم شياطينهم من الجن والإنس أن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد مخافة العار والعيلة : لا جرم أن ذلك ضلال فاضح وتصورهم سقيم وجهول كان يراود حلوم أولئك الواهمين الضالين فيسول لهم شيطان الجن والإنس قتل أولادهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا لذرائع كاذبة خاطئة متهافتة ما أنزل الله بها من سلطان .

قوله : { ليردوهم } اللام للتعليل أي ليهلكوهم . من التردية بمعنى الإهلاك . رديته تردية . ومنه أرداه يرديه أي يهلكه{[1283]} والمراد إهلاكهم بالإغواء والتضليل .

قوله : { وليلبسوا عليهم دينهم } من اللبس وهو الخلط ، والتلبيس وهو التخليط . التبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه{[1284]} والمعنى أن الشياطين قد خلطوا على المشركين دينهم – وهو دين إسماعيل القائم على التوحيد – فالتبس عليهم التباسا . لقد خلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل حتى انحرفوا عنه البتة إلى الشرك بكل ما فيه من خرافات وترهات ومفاسد وأباطيل ، ومن جملتها جعلهم لله نصيبا مما خلق فضلا عن وأد البنات وقتل الأولاد .

قوله : { ولو شاء الله ما فعلوه } لو شاء الله أن لا يفعل المشركون ما فعلوه لما فعلوا ، لأنه ما من شيء إلا هو مندرج في ملكوت الله وسلطانه فلا يند عن تقديره ومشيئته شيء . وما يكون من طاعة ولا معصية ولا غير ذلك من فعل إلا وهو تحيط به إرادة الله المطلقة .

قوله : { فذرهم وما يفترون } أي دعهم واجتنبهم وما هم فيه من الافتراء والباطل ولا تعبأ بهم وبما يخرصون . وفي ذلك من الوعيد للمشركين ما لا يخفى{[1285]} .


[1283]:- مختار الصحاح ص 240 والمصباح المنير ج 1 ص 241.
[1284]:- مختار الصحاح ص 590.
[1285]:- روح المعاني ج 8 ص 32- 35 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 180 وتفسير الطبري ج 8 ص 30- 33.